في مشهد تسويقي غير مألوف، بدأت الأسواق المحلية تشهد خلال الفترة الأخيرة تصاعدا لافتا في أنشطة ترويجية يقودها مشاهير وصناع محتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تحولت منتجات استهلاكية بسيطة إلى بوابة لجوائز ضخمة وسيارات فارهة، في ظاهرة أعادت رسم سلوك المستهلك وغيرت قواعد التسويق التقليدي.
وبين الإقبال الجماهيري الواسع والأسئلة القانونية والمالية المتزايدة، يبرز الجدل حول طبيعة هذه الحملات وحدودها المشروعة، وما إذا كانت تمثل ابتكارا تسويقيا مشروعا أم ثغرة تنظيمية قد تستغل على حساب المستهلك والاقتصاد.
في هذا الصدد، حذر الخبير الاقتصادي جليل اللامي من تصاعد ظاهرة إطلاق بعض مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي منتجات استهلاكية تحمل أسماءهم الشخصية، والترويج لها عبر حملات دعائية رقمية مكثفة تتضمن جوائز كبيرة وغير مسبوقة، مثل السيارات الفارهة والهواتف الذكية والذهب والمبالغ النقدية، مقابل منتجات منخفضة السعر في السوق المحلي.
وقال اللامي لـ عراق اوبزيرفر ، على سبيل المثال، يتراوح سعر كيس الجبس في الأسواق المحلية بين 5 إلى 8 آلاف دينار عراقي في حين تصل قيمة سيارة فارهة واحدة إلى نحو من (10-15) ألف دولار أي ما يعادل أكثر من(22) مليون دينار عراقي. هذا الفارق الكبير يثير تساؤلات منطقية حول عدد الوحدات المباعة وهوامش الربح ومصادر تمويل الجوائز خاصة عندما تُطرح أكثر من جائزة كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة .
وبين أن هذه الأنشطة لا يمكن تصنيفها قانونيا على أنها غسل أموال بشكل تلقائي، لكون الجريمة تتطلب وجود أموال متحصلة من جريمة أصلية ومحاولة إخفاء مصدرها ، إلا أنه شدد في الوقت ذاته على أن غياب الشفافية والرقابة قد يحول هذه الممارسات إلى بيئة خصبة للشبهات، خاصة فيما يتعلق بالتهرب الضريبي، والإعلان المضلل، واستخدام الجوائز كبديل غير معلن لأنشطة يانصيب غير مرخصة.
وأشار اللامي إلى أن مقارنة الواقع المحلي بالتجارب الدولية تكشف وجود فجوة تنظيمية واضحة، لافتا إلى أن الولايات المتحدة وبريطانيا تلزمان المؤثرين بالإفصاح الكامل عن مصادر دخلهم وفرض ضرائب مباشرة على أرباح الإعلانات والتسويق، كما تخضع الحملات الترويجية المصحوبة بجوائز لقوانين صارمة تتطلب الشفافية الكاملة في الإعلان عن قيمة الجوائز وآليات السحب.
وأضاف أن دول الاتحاد الأوروبي تصنف هذه الحملات ضمن الأنشطة التجارية الخاضعة لقوانين حماية المستهلك ومنع الخداع، حيث قد تؤدي أي مخالفات أو تضليل إعلاني إلى غرامات مالية كبيرة، في حين قامت دول إقليمية مثل الإمارات والسعودية بتنظيم عمل المؤثرين عبر تراخيص رسمية وربط نشاطهم بالإفصاح الضريبي، مع حظر أي حملات جوائز غير مرخصة أو غير واضحة المصدر.
وفي المقابل، أشار الخبير الاقتصادي إلى أن الواقع المحلي يعكس فراغا رقابيا في تنظيم اقتصاد المؤثرين، موضحا أن تقديرات غير رسمية تشير إلى تحقيق بعض الحسابات الرقمية إيرادات شهرية بعشرات أو حتى مئات الملايين من الدنانير، دون وجود مسارات محاسبية أو ضريبية معلنة تتناسب مع حجم الإنفاق الإعلاني والجوائز المقدمة.
وأكد اللامي أن الإشكالية لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما تتعلق بالمنظومة التنظيمية، محذرًا من أن استمرار غياب الرقابة قد يحوّل منصات التواصل الاجتماعي من أدوات تسويق حديثة إلى قنوات مالية موازية خارج الإطار القانوني، بما يهدد عدالة السوق، ويضر بالمستهلك، ويقوض الثقة بالاقتصاد الرقمي.
وختم حديثه بالدعوة إلى تحرك جاد من الجهات المعنية لتنظيم هذا القطاع، عبر التدقيق المالي والضريبي، وتطبيق قوانين غسل الأموال وحماية المستهلك، وبما ينسجم مع المعايير الدولية، لضمان الشفافية ومنع أي انحرافات قد تضر بالاقتصاد والمجتمع.
وفي عملية حسابية بسيطة، ووفق أسعار السوق، يبلغ سعر كيس الجبس الواحد نحو 250 دينارا عراقيا، في حين لا يقل سعر السيارة المعروضة كجائزة عن 16 مليون دينار عراقي.
وباحتساب الفارق بين السعرين، فإن تغطية قيمة سيارة واحدة فقط تتطلب بيع ما لا يقل عن 64 ألف كيس جبس، دون احتساب تكاليف الإنتاج والنقل والتسويق والضرائب وبقية الجوائز المرافقة.
ويثير هذا الرقم تساؤلات حول حجم المبيعات الفعلية التي يجب تحقيقها خلال فترة زمنية قصيرة لتمويل مثل هذه الجوائز، فضلا عن مصادر السيولة وآليات التسويق والربحية، خاصة عند الإعلان عن أكثر من جائزة كبيرة ضمن الحملة الواحدة، الأمر الذي يعزز المطالب بضرورة الإفصاح المالي والرقابة التنظيمية على هذا النوع من الأنشطة.
ومع استمرار هذا النمط من التسويق في التوسع دون ضوابط واضحة، يبقى المستهلك الحلقة الأضعف في معادلة تقوم على الحلم السريع والربح غير المضمون.
فبينما تتضخم الأرباح وتتصاعد الجوائز، تتوارى الشفافية خلف بريق الدعاية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جدية عن مصير الأموال المتداولة وحدود المسؤولية القانونية. وفي ظل غياب تنظيم حاسم، قد تتحول هذه الحملات من ظاهرة ترويجية عابرة إلى واقع اقتصادي موازٍ، لا تحكمه قواعد السوق ولا تحميه القوانين، الأمر الذي يجعل التدخل الرقابي ضرورة لا تحتمل التأجيل.
The post عراق أوبزيرفر تتقصى ظاهرة هدايا المشاهير .. اشتري كيس شيبس تحصل على سيارة تاهو: جوائز خرافية لقاء سلع رخيصة.. ما الذي يجري؟ first appeared on Observer Iraq.
هذا المحتوى مقدم من عراق أوبزيرڤر


