في عام 1978، خرجت صحيفة صوت الجماهير ، برئاسة تحريرها الأستاذ عبدالكريم حمود صالح، بمانشيت أحمر عريض احتل صدر الصفحة الأولى:
انقلاب عسكري في صنعاء .
وتحت العنوان مباشرة، وبخط أصغر لا يقل مكرا تسويقيا صحفيا كتب: التفاصيل في الصفحة العاشرة .
ارتفعت المبيعات في ساعات، وتناقلت الأيدي الصحيفة بلهفة، وحين وصل القراء إلى الصفحة العاشرة، وجدوا ثلاثة أسطر باردة تقول:
انقلب العسكري حسين سالم أحمد في قرية بني حشيش، بضواحي صنعاء، من فوق حماره، فأُصيب بدَحَس في الركبة، نُقل على إثره إلى عيادة الأغبري للمجارحة، حيث تم تضميده، وهو الآن بصحة جيدة، ويوجه رسالة عبر الصحيفة لأصدقائه يطمئنهم فيها عن حالته .
العنوان لم يكن كاذبا، لكنه لم يكن صادقا كما فهمه الناس.
منذ ذلك التاريخ، لم تتغير كثيرا أدوات الإثارة في صحافتنا، سوى أن الحمير استُبدلت بـ مصادر مطلعة ، والركبة بـ تطورات خطيرة ، والصفحة العاشرة بروابط ومنصات لا تنتهي.
الغاية واحدة: شدّ الانتباه، ولو على حساب وعي القارئ.
اليوم لم تعد الصحف الصفراء وحدها تمارس هذا الأسلوب، بل صار بعض المغرّدين وصنّاع المحتوى أكثر براعة في فن العنوان الملتبس، يجمعون المشاهدات، ويتركون الحقيقة في الهامش. ضجيج بلا مضمون، وتسريبات بلا مسؤولية، وصمت يُحوَّل إلى مادة خام للإشاعات.
في هذا المناخ المشوَّش، يصبح الغياب خبرا، والاختفاء لغزا، والصمت دليل إدانة أو بطولة، بحسب مزاج المنصّة؛ فتُفسَّر القرارات المؤجلة أكثر مما تُفهم، من تأخر إعلان الحكومة إلى تأخر تحديد موعد الحوار الجنوبي.
هكذا قُرئ صمت علي سالم البيض بعد السابع من يوليو، ليس مجرد موقف هادئ، بل علامة على الهزيمة أو الترقّب. وهكذا فُسّر اختفاء علي عبدالله صالح لأشهر بعد حادث جامع النهدين، بين من أعلن نهايته مبكرا، ومن رآه يعود من تحت الركام. وحتى الغياب المفاجئ لبشار الأسد عن المشهد في لحظات مفصلية تحوّل، في الفضاء الإعلامي، إلى مادة للتكهن أكثر منه واقعة قابلة للتحقق.
فحين تغيب المعلومة، تتكاثر الروايات، ويصبح الفراغ ساحة مفتوحة للتأويل، لا للتحليل.
وهنا نصل إلى عيدروس.
اختفاء قائد في مرحلة سياسية حساسة ليس أمرا اعتياديا، خاصة حين يكون حضوره السابق قائما على الخطاب العالي، والظهور المتكرر، وصناعة الصورة. في السياسة، الفراغ لا يبقى فراغا، بل يمتلئ سريعا بالتأويلات، ويصبح مادة مفتوحة للخصوم قبل الأنصار.
أتباع القادة لا يقلقهم الغياب بحد ذاته، بقدر ما يقلقهم ما يرمز إليه. لأن القائد في الخيال الجمعي ليس شخصا فقط، بل علامة، وحين تغيب العلامة في لحظة حرجة، يختل الإيقاع، ويبدأ السؤال القَلِق:
هل هو انسحاب؟ ضغط؟ تسوية؟ أم عجز عن المواجهة؟
لكن وسط هذا.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من حضرموت 21
