ما كانت المنامة يوما مدينة صامتة، فقد كانت تتكلم بصوت البحر أولا، وبخطوات تجار السوق، وأصوات تلاميذ المدارس، وبالرسائل المغادرة إلى بلدان العالم عبر مبنى البريد، فمنذ أوائل القرن العشرين، كانت المدينة نابضة بالحياة، وأسهمت مؤسساتها في تشكيل روحها اليومية وصوتها الاجتماعي، متجاوبة مع حركة الأسواق وصخب الطرق، ومع صدى الحياة التعليمية والإدارية، لتصبح المنامة مدينة تنبض بالحياة، لا صمتها.
الميناء بداية الحكاية
قبل أن تُعرف المنامة عاصمة سياسية وإدارية، تشكلت بوصفها ميناء البحرين الرئيس وأحد أهم مرافئها الطبيعية على الساحل الشمالي للجزيرة، فمنذ القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كانت تستقبل السفن الشراعية العاملة ضمن شبكات التجارة في الخليج العربي، والمرتبطة بالموانئ القريبة والبعيدة في شبه القارة الهندية وبلاد فارس وسواحل المحيط الهندي.
حملت تلك السفن السلع الأساسية المتداولة في المنطقة، فيما غادرت المنامة محملة باللؤلؤ البحريني الذي شكل العمود الفقري لاقتصاد البلاد وصنع اسمها في الأسواق العالمية حتى مطلع ثلاثينات القرن العشرين.
لم يكن الميناء مجرد مرسى للسفن، بل مركز اقتصادي واجتماعي تتقاطع فيه حركة البحّارة والتجار، وتتشكل حوله أنماط العيش والعمل.
ومن هذا الميناء بدأت ملامح المدينة في التكون، فظهر السوق، ثم البيوت والفرجان، وتبعتها لاحقا الدوائر الرسمية، والمؤسسات الإدارية، لتنشأ المنامة مدينة منفتحة بطبيعتها، صاغ البحر والتجارة روحها، ووجه الميناء إيقاع حياتها اليومية.
إدارة من القلب لا الأطراف
عند باب البحرين كانت تبدأ المنامة وتنتهي في آنٍ واحد، فالداخل بدأ الحكاية، والمغادر أسدل ستارها، لم يكن الباب مجرد معلم معماري يميّز المدينة، بل بوابة اقتصادية وإدارية ربطت البحر باليابسة، وكانت المدخل الرسمي إلى سوق المنامة وقلبها النابض.
شُيّد باب البحرين بصورته الحالية في العام 1949 ليكون واجهة للمدينة ومقر للمؤسسات الحكومية، وكان يطل آنذاك مباشرة على البحر بالقرب من ميناء المنامة، حيث عبرت منه البضائع، وتقاطعت عنده طرق التجار، والبحّارة، والعمّال، ودخول الحكايات، وخروجها.
ومع التوسع العمراني في النصف الثاني من القرن العشرين، ابتعد البحر عن الموقع نتيجة مشروعات استصلاح الأراضي، وتحول المشهد من واجهة بحرية إلى مركز حضري تحيط به الطرق والمشروعات الحديثة، وشهد الباب مراحل ترميم متعددة، أبرزها في العام 1986 حيث أضيفت عناصر معمارية جديدة، ثم ترميم شامل في العام 2013 أُعيدت فيه الواجهة إلى طابعها الأصلي، ليبقى باب البحرين شاهدا حيا على تحولات المنامة العمرانية والاجتماعية، وعلى زمن كانت فيه المدينة تُدار من قلبها لا من أطرافها.
البريد.. انطلاقة للعالم
من بين أقدم المباني الرسمية في المنامة، يبرز مبنى البريد، حيث افتُتح مكتب البريد في المنامة في العام 1884، ليكون من أوائل مؤسسات البريد في الخليج، وكان البريد آنذاك نافذة البحرين على العالم، يحمل الرسائل التجارية، والمكاتبات الرسمية، وأخبار الغواصين، والتجار، مؤكدا مكانة المنامة كمركز إقليمي مبكر للتواصل والإدارة.
البلدية بداية التنظيم الحديث
في العام 1919 دخلت مدينة المنامة مرحلة مفصلية في تاريخها الحضري والإداري مع تأسيس بلدية المنامة، بوصفها واحدة من أوائل البلديات النظامية في منطقة الخليج العربي، ليمثل هذا الحدث بداية فعلية لتنظيم العمل المؤسسي والخدمات الحضرية، وأسهم في إدخال مفاهيم حديثة لإدارة المدينة، شملت تنظيم الأسواق، والنظافة العامة، وشقّ الطرق، والعناية بالصحة العامة، في تحوّل نوعي من الإدارة التقليدية إلى مفهوم المدينة الحديثة.
وفي قلب المنامة القديمة، حيث كانت السوق تنبض بحركة الناس، وصخب الحياة اليومية، اتخذت البلدية مقرّها الأول في مبنى يقع قرب شارع الشيخ عبدالله في المنطقة التي تُعرف بمحيط دوار السمكة ، لم يكن هذا المقر معزولا عن المدينة، بل كان جزءا حيا من نسيجها اليومي، متناغما مع إيقاع الأسواق وطرقاتها، وقريبا من الناس وشؤونهم.
واستمر هذا المبنى في أداء دوره المحوري في تنظيم شؤون المنامة وتحديثها لما يقارب أربعة عقود، إلى أن افتُتح المقر الجديد لبلدية المنامة في العام 1962، في خطوة عكست تطور الخدمات وتنامي الهيكل الإداري للعاصمة، ومهدت لمرحلة جديدة من التخطيط الحضري، والتنظيم المؤسسي في المدينة.
الفريج هو الهوية
شكلت الفرجان في المنامة الوحدات الأساسية للنسيج الحضري والاجتماعي للمدينة، وكانت أكثر من مجرد أحياء سكنية، فهي مساحات حياتية متكاملة تجمع بين البيت، والأسرة، والجيرة، حيث تتداخل علاقات القربى مع العلاقات.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة البلاد البحرينية
