ارتبطت صيرورة ارتقاء النوع الإنساني عبر التاريخ، بالقدرة على الانتقال من الإدراك المباشر للوقائع الصلبة، عبر الحواس الخمس، إلى إدراك اللامحسوس وغير المرئي، عبر إعمال العقل. تشبه تلك الصيرورة كثيراً، مسيرة ارتقاء الإنسان كفرد، عبر مراحل النمو المتعاقبة. يبدأ الطفل بإدراك المحسوس قبل أن يتطور وعيه، عبر مراحل العمر، ونظم التعليم وعمليات التثقيف المختلفة، إلى إدراك المفاهيم المجردة والأمور المعنوية ثم القضايا الغيبية.
ولعل صيرورة ارتقاء العقل هذه تواكب مسيرة التقدم الحضاري نفسها، إذ ترتقي الوسائل والأدوات التي تلبي حاجات الإنسان المتمدن من الكثيف والكبير والصلد إلى الخفيف والصغير والناعم. فطرائق الانتقال البشري لم تتغير من الوسائل البدائية إلى الحديثة فقط، بل إن الوسائل الحديثة نفسها تتغير، كالسيارة مثلاً، التي تطور أداؤها نحو زيادة الأمان والراحة والسرعة في سياق يتوازى مع تطور المواد المستخدمة في صنعها من الصلب الذي يصعب تشكيله، إلى لدائن البلاستيك والمطاط التي تمنح الصانع مرونة وقدرة فائقتين على تشكيل جسم السيارة. والكمبيوتر الذي بدأ ضخماً يحتل مساحة حجرة واسعة، ثم منضدة كبيرة أخذ يصغر حجماً في اتجاه يتوازى مع تعقد وظائفه وتنامي قدراته، حتى صار محمولاً صغيراً في الجيب. وهو ما ينطبق على عشرات الأجهزة في شتى مجالات الحياة.
المسار الارتقائي نفسه اتخذه مفهوم القوة، الذي تطور من استخدام الجيوش الضخمة مع أسلحة بدائية ومستوى منخفض من الفعالية، إلى جيوش محدودة العدد مع قوة نيران أكبر وفعالية أدق، تستطيع ممارسة القتل والتدمير عن بعد، عبر التوجيه الإلكتروني والذكاء الاصطناعي. ومن التطور الكمي في أشكال القوة الصلدة، ولد التطور النوعي لمفهوم القوة الناعمة، حيث الاعتماد في التنافس مع الآخرين ومحاولة إخضاعهم على مؤثرات اقتصادية وثقافية وفنية، تبدو لا مرئية، لكنها عميقة الفاعلية، تتغلغل في بنية العلاقات بين الدول، وتمارس الجذب والإغواء بديلاً عن القسر والإرغام.
لكن، وعلى منوال يعاكس صيرورة الارتقاء التاريخي هذه، أخذ الرئيس الأمريكي ترامب، لفرط غروره، ينتهج مذهب القوة العارية في إدارة العلاقات الدولية، خلاصاً من قيود النظام العالمي القائم على قواعد قانونية، وكأنه يكتشف جديداً. يجهل ترامب أو يتجاهل أن مذهب القوة ليس جديداً بل قديم جداً في إدارة العلاقات بين البشر، وأن جل آلام الإنسان عبر التاريخ إنما ترجع إليه، وأن التنظيم الدولي الذي عرفته الإنسانية فقط في القرن العشرين هو سفينة نوح التي حالت دون غرق البشر في.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الخليج الإماراتية
