الجزائر عند مفترق اقتصادي.. هل يكفي الإنفاق لقيادة النمو؟

تعكس أرقام موازنة الجزائر لعام 2026 حجم هذا الرهان بوضوح، إذ يتجاوز الإنفاق العام 135 مليار دولار، بعد مسار تصاعدي بلغ نحو 128 مليار دولار في 2025، مقابل 112 مليار دولار في 2024، وفق بيانات رسمية صادرة عن وزارة المالية الجزائرية.

ومع انطلاق العام، يضع هذا التوسع تحفيز النشاط الاقتصادي في صدارة الأولويات عبر البنية التحتية والخدمات الأساسية والقطاعات غير النفطية. غير أن هذا المسار يُبقي العجز المالي مرتفعاً، عند مستوى يُقدَّر بنحو 40 مليار دولار، أي ما يزيد على 12% من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب تقديرات مؤسسات مالية دولية.

وتزداد حساسية هذه المعادلة لأن الموازنة بُنيت على افتراض سعر نفط متحفظ نسبياً عند 60 دولاراً للبرميل، ما يجعل أي تراجع في الأسعار عاملاً ضاغطاً سريعاً على المالية العامة. ويأتي ذلك في ظل هيكل إنفاق تمثل فيه أجور القطاع العام نحو 45 مليار دولار، أي قرابة ثلث الموازنة، بحسب بيانات وزارة المالية.

ورغم الدور الاجتماعي لهذا البند في دعم الطلب الداخلي، يرى اقتصاديون أن هذا الحجم من الإنفاق يختزل جوهر الإشكالية الاقتصادية: هل يتحول إلى طاقة إنتاجية مستدامة، أم يبقى محصوراً في دائرة الاستهلاك؟.

لتحقيق الاكتفاء الذاتي.. الجزائر تدشن خط سكك حديدية لنقل الحديد

التضخم يهدأ لكن النمو لا يتسارع

على صعيد الأسعار، تشير بيانات رسمية نقلتها «وكالة الأنباء الجزائرية»، إلى تراجع التضخم السنوي إلى نحو 1.5% في أواخر 2025، ما يمنح الاقتصاد هامشاً مريحاً نسبياً مع بداية 2026. ويخفف هذا التراجع الضغط على السياسة النقدية ويحد من كلفة التمويل، وهو عنصر داعم للنشاط الاقتصادي، وفق تقديرات البنك المركزي الجزائري.

غير أن هذا الهدوء السعري لا يترجم تلقائياً إلى تسارع في النمو. فبحسب توقعات صادرة عن صندوق النقد الدولي، يُتوقع أن يسجل الاقتصاد نمواً حقيقياً بحدود 2.9% في 2026، مع تضخم يقترب من 3.9%. وهي مستويات تعكس استقراراً محسوباً أكثر مما تعكس انتقالاً إلى مرحلة تسارع اقتصادي.

ويرى محللون أن هذا الأداء يشير إلى استمرار اعتماد النمو على الإنفاق العام بدرجة كبيرة، في ظل غياب تحسن ملموس في الإنتاجية. كما لا يزال القطاع المصرفي، وفق تقييمات مؤسسات مالية دولية، أقل فاعلية في توجيه الائتمان نحو الاستثمار المنتج خارج قطاع المحروقات، ما يحد من الأثر الحقيقي للتيسير النقدي.

ترشيد الواردات.. مكاسب خارجية واختبار داخلي

حققت سياسة ترشيد الواردات مكاسب واضحة على مستوى التوازنات الخارجية. فقد تراجعت فاتورة الاستيراد إلى نحو 40 مليار دولار، بينما ارتفعت احتياطيات النقد الأجنبي إلى قرابة 72 مليار دولار، وفق بيانات رسمية للبنك المركزي الجزائري.

غير أن هذا التحسن الخارجي يضع الاقتصاد أمام اختبار داخلي أكثر تعقيداً. إذ تشير تقديرات خبراء إلى أن خفض الواردات بوتيرة أسرع من توسّع الإنتاج المحلي قد يؤدي إلى اختناقات في السوق، ويفتح المجال أمام أنشطة غير نظامية، ما يحد من الأثر الإيجابي لهذه السياسة على المدى المتوسط.

وفي هذا السياق، لا يُقاس نجاح ترشيد الواردات بما يُمنع من دخول السوق، بقدر ما يُقاس بقدرة الصناعة المحلية على التعويض من حيث الكلفة والجودة والتوفر، وهو ما يضع عبئاً إضافياً على السياسات الصناعية.

مصفاة غاز البترول المسال في أرزيو بالقرب من مدينة وهران في الغرب الجزائري - 30 يوليو 2007

إصلاحات قائمة وفجوة في التنفيذ

رغم إقرار حزمة من الإصلاحات لتحسين مناخ الأعمال وتبسيط الإجراءات، لا تزال بيئة الاستثمار تعاني فجوة بين النصوص والتطبيق، وتشير بيانات «البنك الدولي» حول بيئة الأعمال في الجزائر إلى بطء تنفيذ التراخيص وتشابك الإجراءات التي تُعيق المستثمرين.

كما أشار تقرير استشارة المادة الرابعة لـ«صندوق النقد الدولي» لعام 2025 إلى تحديات في تحويل الأطر القانونية إلى تطبيق عملي في السوق. فالمستثمر، محلياً كان أو أجنبياً، لا يقيس الجاذبية بعدد القوانين بقدر ما يقيسها بسرعة التنفيذ، ووضوح المسارات، وقابلية التنبؤ بالإجراءات.

وفي هذا الإطار، تُطرح الشراكات بين القطاعين العام والخاص كأداة محورية لتخفيف العبء عن الخزينة وتحسين كفاءة المشاريع الكبرى. غير أن فعاليتها تبقى مشروطة بجودة الحوكمة وتوزيع المخاطر وقدرة المؤسسات على المتابعة، وهي عناصر لا تُبنى بالقرارات وحدها، بل بالممارسة المؤسسية.

ويظل الاستثمار الخاص الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، إذ لم يواكب بعد وتيرة التوسع المالي، ما يُبقي الدولة المحرّك الرئيسي للنشاط الاقتصادي.

الشركات الناشئة.. توسُّع عددي وأثر اقتصادي محدود

تشير بيانات وزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة الجزائرية إلى ارتفاع عدد الشركات الناشئة النشطة من نحو 200 شركة في 2019 إلى قرابة 700 شركة في 2024، غير أن هذا التوسع العددي، بحسب محللين، لا يتحول تلقائياً إلى أثر اقتصادي واسع.

فالتحدي الحقيقي يبدأ بعد مرحلة التأسيس، حين يصبح النمو والتوظيف والاندماج في سلاسل القيمة معياراً للأثر الاقتصادي. ويزداد هذا التحدي في ظل سوق عمل لا يزال يعاني فجوة بين المهارات المتاحة واحتياجات القطاعات غير النفطية، ما يحد من المردود الإنتاجي لخلق الوظائف الجديدة.

ومن دون هذا التحول، يبقى أثر ريادة الأعمال محدوداً على النمو الكلي، فيما يستمر نزيف الكفاءات بوصفه تكلفة اقتصادية طويلة الأجل.

بنك الجزائر أمام مرحلة جديدة.. هل تتغير بوصلة السياسة النقدية؟

بين إدارة التوازنات وبناء النمو

بين تراجع التضخم، وتوسع الإنفاق، وضعف استجابة الاستثمار الخاص، تتضح ملامح اقتصاد يقف في منطقة وسطى. فقد تراجع عن نموذج قائم على الواردات، لكنه لم يرسّخ بعد قاعدة إنتاجية تقود النمو.

ويمنح الإنفاق القياسي في 2026 نافذة مهمة لدفع هذا التحول، لكنه في الوقت نفسه يضيّق هامش المناورة إذا لم يُترجم سريعاً إلى إنتاجية أعلى واستثمار خاص أوسع، وفق تقديرات مؤسسات مالية دولية.

في المحصلة، لا يُقاس التحول الاقتصادي بحجم الموازنة، بل بقدرة الاقتصاد على تحويل الإنفاق إلى قيمة مضافة، والسياسات إلى نتائج ملموسة، والنمو السنوي إلى قاعدة أكثر صلابة. عند هذا الحد فقط يمكن القول إن الجزائر انتقلت من إدارة التوازنات إلى مسار نمو مستدام.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 28 دقيقة
منذ 47 دقيقة
منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ 11 ساعة
منذ ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعتين
صحيفة الاقتصادية منذ 16 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعتين
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 12 ساعة
قناة العربية - الأسواق منذ 13 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 6 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 14 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 8 ساعات