لم تكن زيارته للبرازيل فى هذا العام كسابقتها، فقد كان العام ٢٠٠٩ شاهدًا على مفارقة لافتة فى بلد ارتبط اسمه لعقود بفوضى الأسعار. حكى لى صديق عن دهشته من ثبات لوحات الأسعار فى المتاجر، بلا شطب ولا تعديل متكرر، على خلاف ما وعته الذاكرة عن اقتصاد كان التضخم فيه يلتهم الدخول قبل أن تصل إلى أصحابها، وكانت الأسعار تُحدَّث أكثر من مرة فى اليوم الواحد، فيما يعرف بظاهرة التضخم الجامح. ذلك الاستقرار فى الأسعار كان وليد مسار شاق من السياسات الإصلاحية، فقد بلغت معدلات التضخم فى البرازيل ذروتها منتصف التسعينيات، عندما تجاوزت ٢٠٠٠٪ سنويًا!.
شكَّل التضخم على مدى عقود أحد أبرز التحديات التى واجهت الاقتصادات الناشئة، غير أن الحالة البرازيلية تكتسب خصوصية فريدة، حيث تحولت من نموذج مرعب للتضخم المزمن فى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضى، إلى اقتصاد تمكّن من إدارة استقرار الأسعار فى العقدين الأخيرين، بما انعكس بصورة صحية على أسعار الصرف الحقيقية للريال (كما سلفت الإشارة فى مقال سابق). لم يكن هذا التحول محض صدفة أو نتاج سياسة نقدية منعزلة، بل كان ثمرة مسار طويل ومعقد من الإصلاحات المؤسسية التى اجتثت جذور التضخم من أعماق العقلية الاقتصادية البرازيلية ذاتها.
عاشت البرازيل تحت وطأة دوامة تضخمية عصفت بقيمة العملة، حيث استبدلت العملات واحدة تلو الأخرى دون علاج جذرى للاختلالات المالية والنقدية. كانت الحلول الترقيعية، مثل تجميد الأسعار والأجور، تُقدَّم كمسكنات مؤقتة سرعان ما تتفجر معها الضغوط بصورة أشد عنفًا. جاءت خطة «الريال» فى عام ١٩٩٤ بمثابة القطيعة مع هذا الماضى، حيث أدخلت عملة جديدة مدعومة بآلية صرف شبه مثبتة وبدأت فى فرض انضباط مالى تدريجى. نجحت الخطة فى خفض التضخم من مستواه الفلكى إلى ٢٢٪ فى عام ١٩٩٥ ثم إلى أقل من ١٠٪ بحلول عام ١٩٩٧، لكنها كشفت عن هشاشة النظام الجديد أمام صدمات التدفقات الرأسمالية الدولية، كما حدث خلال الأزمة المالية الآسيوية وأزمة الروسية فى نهاية التسعينيات.
هذا الوضع هو ما مهَّد لتبنى إطار استهداف التضخم رسميًا فى عام ١٩٩٩، كرد فعل مؤسسى لتحول البرازيل إلى نظام سعر صرف حر نسبيًا. فى هذا الإطار، التزم البنك المركزى البرازيلى (BACEN) بهدف معلن للتضخم، محددًا بنطاق يتذبذب عادة حول ٤٫٥٪ مع هامش ± ٢ نقطة مئوية، مستخدمًا سعر الفائدة الأساسى كأداة رئيسية لضبط الطلب الكلى. الأهم من الهدف التقنى ذاته كان بناء المصداقية المؤسسية، عبر تعزيز استقلالية البنك المركزى واعتماد شفافية.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة المصري اليوم
