لم يعد الحديث عن ميناء عدن مجرد استدعاء لذكريات مرفأ كان يومًا من بين الأكثر نشاطًا في العالم، بل أصبح نقاشًا استراتيجيًا يتصل بمستقبل اليمن الاقتصادي وموقعه في خريطة التجارة الدولية. ومع التحولات السياسية المتسارعة، واستعادة فكرة الدولة كمركز للقرار، وتراجع نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، يبرز سؤال محوري: هل اقتربت اللحظة التاريخية التي يستعيد فيها ميناء عدن دوره الطبيعي؟ أم أن التحديات المتراكمة لا تزال قادرة على تأجيل هذه العودة؟
إن قراءة مستقبل الميناء لم تعد ممكنة من زاوية محلية فقط، بل باتت مرتبطة بتغيرات كبرى في الاقتصاد العالمي، وإعادة رسم سلاسل الإمداد، وتصاعد أهمية الممرات البحرية. وفي قلب هذه التحولات، تقف عدن كموقع لا يمكن تجاهله، حتى لو تأخر استثماره لعقود.
بين الموقع الفطري و المنظومة المشيدة
في علم الاقتصاد البحري، هناك فارق جوهري بين الموانئ التي صنعتها الجغرافيا، وتلك التي صنعتها الاستثمارات والإدارة الحديثة. ميناء عدن ينتمي بوضوح إلى الفئة الأولى؛ فهو ميناء طبيعي نشأ في موقع استثنائي قريب من أحد أهم طرق التجارة بين الشرق والغرب.
في المقابل، نجحت موانئ إقليمية أخرى في بناء منظومات تشغيل متقدمة جعلتها تتصدر المشهد. غير أن التاريخ الاقتصادي يثبت أن المنظومات يمكن إنشاؤها خلال سنوات، أما الجغرافيا فلا تُشترى ولا تُنقل.
وهنا تحديدًا تبدأ قوة عدن الحقيقية.
ضريبة المسافة.. حين تتحول الجغرافيا إلى مال
تعتمد شركات الشحن العالمية على معادلة بسيطة: تقليل المسافة يعني تقليل الوقت والتكلفة. والسفن العملاقة التي تعبر من آسيا إلى أوروبا تضطر عند دخول الخليج العربي إلى قطع مسافة إضافية كبيرة والانحراف عن مسارها الرئيسي.
هذا الانحراف لا يُقاس فقط بالأميال البحرية، بل بمئات آلاف الدولارات التي تُنفق على الوقود والتشغيل والتأمين. وفي صناعة تُحسب أرباحها بدقة شديدة، يصبح اختيار ميناء قريب من خط الملاحة قرارًا اقتصاديًا بامتياز.
هنا يظهر ميناء عدن كأقرب نقطة منطقية لعمليات الترانزيت، وكأنه نقطة الصفر التي تختصر الرحلة قبل أن تتحول المسافة إلى كلفة.
لكن هذه الميزة تظل نظرية ما لم تتحول إلى مشروع استثماري متكامل.
الأعماق.. حين تصبح الهندسة حليف الجغرافيا
يُطرح أحيانًا أن بعض الموانئ تتفوق من حيث العمق الحالي وقدرتها على استقبال السفن الضخمة، لكن القراءة الفنية الأعمق تكشف أن المسألة ليست في الواقع الحالي فقط، بل في قابلية التطوير.
فقاع ميناء عدن يمنحه ميزة هندسية مهمة؛ إذ يمكن تعميقه بتكاليف أقل مقارنة بموانئ اصطناعية تحتاج إلى أعمال جرف معقدة وصيانة مكلفة. وبمجرد اتخاذ قرار استثماري جاد، يمكن رفع العمق إلى مستويات تسمح باستقبال أكبر سفن الحاويات في العالم.
عند هذه النقطة، تسقط آخر الحواجز التقنية، وتتحول المنافسة من سؤال هل يستطيع؟ إلى سؤال متى يبدأ؟ .
الميناء المحوري.. أكثر من مجرد محطة شحن
النظرة الحديثة للموانئ لم تعد تقتصر على كونها نقاط تفريغ وتحميل، بل مراكز لإعادة توزيع البضائع نحو مناطق أوسع. وموقع عدن يجعله مرشحًا طبيعيًا ليكون مركز ترانزيت يخدم البحر الأحمر وشرق أفريقيا وجنوب الجزيرة العربية.
والأهم أنه يقع خارج بعض نقاط الاختناق الجيوسياسية، ما يمنحه ميزة إضافية في أوقات الأزمات، عندما تبحث الشركات عن ممرات أكثر أمانًا واستقرارًا.
إن العالم اليوم لا يبحث فقط عن الميناء الأقرب، بل عن الميناء الأقل مخاطرة.
استعادة الدولة.. الشرط الذي يسبق.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة عدن الغد
