الإمارات و الدعم السريع وبينهما السودان. خالد العضاض | #مقالات

تهكمت العرب الأواخر، على التعريبات الطويلة لبعض المصطلحات والكلمات الإنجليزية، ومنها الإشاعة الطريفة -أظنها في الستينيات، وتنسب للشاعر كامل الشناوي- والتي تقول بأن تعريب كلمة (ساندويتش) هو: (شاطر ومشطور وبينهما طازج أو كامخ)، والكامخ هو ما يؤتدم به، أو المخلَّلات المشهِّية.

استدعيت هذا التعريف الطريف في ذهني لوصف الوضع المأساوي وأنا أتابع الأحداث الأخيرة في السودان، على قاعدة المتنبي: (وكم ذا بمصر من المضحكات، ولكنه ضحك كالبكاء)، فالشاطر معروف أتى من أقصى الشرق العربي، والمشطور معروف وهو في أدنى الغرب العربي، والطازج معروف وهو شعبٌ أبيٌ كريم، من أكرم العرب، وأنفسهم فضائلَ ومروءاتٍ، والذي شُوي بنار الأهل والأصحاب، ممن خانوا أنفسهم أولًا قبل إسلامهم وعروبتهم ونخوتهم، بقي عليك أن تخمن ما الفم الملتهم لهذه الشطيرة؟

لم يعد السودان اليوم مجرد «أزمة انتقال سلطة»، ولا مجرد «نزاع داخلي»، ولا حتى «حرب جنرالات»، السودان اليوم مثالٌ مدرسي على كيف تُدار الحروب العربية الحديثة: ميليشيا تتوحش، ودولة تتهاوى، وشعب يُذبح، وعواصم ثرية تُدير اللعبة من بعيد، وفي مثل هذه الحروب لا تنظر إلى البيانات الرسمية كي تعرف الحقيقة، بل انظر إلى السلاح، وإلى الإمداد، وإلى قدرة الأوباش على الاستمرار في حرب فاجرة، وقودها شعب طيب الأعراق، ودولة تروم التعافي، والعودة إلى الحياة العادية البسيطة التي كانوا عليها.

الميليشيات لا يمكن أن تصمد لعامين أو ثلاثة في حرب مفتوحة دون أوكسجين خارجي، ولا تستطيع أن تحافظ على تدفق الذخائر، ولا تشغيل منظومات متقدمة، ولا دفع رواتب، ولا شراء ولاءات، ولا إدارة خطوط تهريب، إلا إذا كانت هناك دولة غنية تمدها بما يلزم، وهنا يظهر اسم الإمارات، بوصفه عاملًا ثابتًا يتكرر في كل ملف جدي، وكل تحقيقٍ ذي وزن، وكل سياق دولي يتعامل مع الحرب السودانية بوصفها حربًا مُغذاة من الخارج.

وحتى نكون واضحين: فإن قوات الدعم السريع ليست طرفًا «مختلفًا عليه سياسيًا» فحسب، بل طرفٌ متهم بفظائع ومجازر جماعية، ففي دارفور، لم يعد الحديث عن انتهاكات متفرقة، بل عن نمطٍ ثابت من الجرائم، وقد نشرت بعض منظمات حقوق الإنسان تقارير قاسية عن ولاية «دارفورية»، وقعت تحت سيطرة الدعم السريع، وهي «الفاشر»، وما حدث فيها من قتل، وحرق، وتهجير، واستهداف جماعات بعينها، مما لا يمكن وصفه، وهذا ليس انطباعًا سياسيًا، بل تقريرًا مبنيًا على شهادات ووقائع، ونمط متكرر، يضع الدعم السريع في خانة الإدانة الصريحة بجرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية.

ثم جاءت الأحداث الأخيرة لتضيف طبقة جديدة من الرعب، تقارير صحفية دولية تحدثت عن هجمات بطائرات الدعم السريع المسيرة التي أوقعت مئات القتلى بينهم أطفال، وتحدثت كذلك عن استهداف قافلة إغاثة مرتبطة ببرنامج الغذاء العالمي في شمال كردفان، وحينما تُقصف قوافل الإغاثة، فالحرب إذن هي حرب على الحياة نفسها، وحين يُقتل الأطفال بالمسيرات، لا تعود المسألة «حربًا»، بل «مجزرة مروعة» موزعة على أيامٍ وأحياءٍ ومخيمات.

وهنا، لا يعود السؤال: من ارتكب الجريمة؟ بل السؤال الأكثر خطورة: من منح القدرة على تكرارها واستمرارها؟

في مايو 2025 نشرت منظمة العفو الدولية تحقيقًا بالغ الأهمية عن ظهور أسلحة صينية متقدمة في السودان، وهي أسلحة لا يُفترض أن تكون في يد ميليشيا في حرب أهلية، قالت المنظمة إنها حددت نوع السلاح، وحللت بقايا الذخائر، وربطت مسارات التوريد والتصدير، ثم خلصت إلى أن هذه الأسلحة وصلت في سياق خرق لحظر السلاح، وأن الإمارات ترتبط بهذه الحلقة وفق ما توصل إليه التحقيق.

هذه النقطة ليست تفصيلًا عابرًا، لأن السلاح المتقدم لا يهاجر وحده، ولا يصل بالمصادفة، ولا يستقر في يد جماعة مسلحة دون شبكة نقل وتمويل وحماية، والسياسة قد تنكر، أما السلاح الذي وصل لا يكذب.

ومن هنا فإن الحديث عن دور الإمارات في تسليح الدعم السريع لم يعد «مزايدة إعلامية»، بل بات قائمًا على تحقيقات حقوقية موثوقة، وعلى قرائن تتبع السلاح ومسارات الإمداد.

ثم تأتي لحظة تكشف تناقض الصورة: لحظة «التبرع»، ففي فبراير 2026، نشرت وكالة رويترز خبرًا عن تعهد الإمارات بتقديم 500 مليون دولار كمساعدات إنسانية للسودان في مؤتمر للمانحين، الخبر يبدو إنسانيًا في ظاهره، لكن.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ ساعة
منذ 11 ساعة
منذ ساعتين
منذ 50 دقيقة
منذ 5 ساعات
منذ ساعتين
صحيفة المواطن السعودية منذ 4 ساعات
صحيفة عاجل منذ 9 ساعات
صحيفة عاجل منذ 3 ساعات
عكاظ الرياضية منذ 19 ساعة
صحيفة سبق منذ ساعة
صحيفة عكاظ منذ 23 ساعة
صحيفة عكاظ منذ 20 ساعة
صحيفة سبق منذ 45 دقيقة