شهد الأمن السيبراني في دولة الإمارات تحولًا لافتًا، بعد انتقاله من هامش التخطيط الوطني إلى صميم الأولويات. حيث لم يعد إجراء تقنيًا وقائيًا، أو متطلب امتثال شكلي وحسب، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في البنية التحتية الاقتصادية والاستراتيجية للدولة، التي تُعدّ بدورها ركيزة محورية للنمو، ومعززًا لثقة المستثمرين، وداعمة للطموح الرقمي.
يرى الدكتور محمد الكويتي أن منظور التحول في الأمن السيبراني تمكيني أكثر منه دفاعي. يقول: "لا يمكن تحقيق التحول الرقمي دون ضمان الأمن والسلامة؛ فالأمن يعزز الثقة التي تمكّن الشركات من الاستثمار والابتكار والتوسع".
الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني في عام 2025، أقر مجلس الوزراء الإماراتي الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني المُحدّثة، التي أرست إطارًا وطنيًا يمتد 6 سنوات، يرتكز على الحوكمة والحماية، والابتكار وبناء القدرات والشراكات. كما يعتمد هذا التوجه منطقًا واضحًا مفاده أن التقدم الرقمي ليس أكثر أهمية من الأمن. وتهدف الاستراتيجية إلى حماية البنية التحتية الوطنية، ودمج الأمن ضمن الاقتصاد الرقمي، وتمكين المواطنين، وتوفير قواعد أوضح للمؤسسات عند تبني الأنظمة المدعومة بتقنيات الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي والبيانات. في حين يعزز هذا النهج الأطر القانونية، وينمّي الكفاءات الوطنية، ويعمّق التعاون بين القطاعين العام والخاص، لتطوير حلول سيبرانية متكاملة.
وقد أسفر هذا التوجه عن نتائج ملموسة. ففي عام 2024، صُنّفت الإمارات وفقًا للمؤشر العالمي للأمن السيبراني الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، ضمن الفئة الأعلى عالميًا (النموذج الرائد) عبر المعايير كلها، ما يعبّر عن إشادة دولية بنموذجها المتقدم.
ويرى كريستوف سالومون، نائب الرئيس التنفيذي للاتصالات الآمنة وأنظمة المعلومات في شركة (Thales) أن الإطار التنظيمي في الإمارات يشكّل عاملًا رئيسيًا في هذا التميز. يقول: "تتبوأ الإمارات اليوم مكانة بين الأسواق الرائدة عالميًا في التطور الرقمي، إذ تجمع بين تحول رقمي طموح، وإطار تنظيمي سريع التطور وعملي. ويتماشى تركيزها على التشفير القوي، وإقامة البيانات، والبنية التحتية السحابية السيادية مع أفضل الممارسات العالمية، محققًا توازنًا دقيقًا بين الأمن، والابتكار، والاستقلالية الرقمية الاستراتيجية".
استثمارات لمواجهة تحدي التهديدات السيبرانية ويبرز حجم التهديدات السيبرانية مدى إلحاح هذا النهج؛ إذ تجاوزت خسائر الجرائم الإلكترونية العالمية نحو 10.29 تريليون دولار في عام 2025 مع توقعات بارتفاعها إلى قرابة 16 تريليون دولار بحلول عام 2029، وفقًا لبيانات (Statista).
استجابة لذلك، استثمرت الإمارات أكثر من ملياري دولار في مبادرات الأمن السيبراني والتحول الرقمي، إلى جانب تطبيق معايير تشفير وامتثال أكثر صرامة مطلع عام 2025. وبالنسبة للدكتور الكويتي، تبدو الصورة جلية، إذ يقول: "إذا لم تتوافر بيئة آمنة ومأمونة، فلن تستثمر الشركات، ولن يثق المواطنون في النظام، وسيتوقف التحول الرقمي".
لكن لا تتعامل الإمارات مع الأمن السيبراني بوصفه وظيفة حكومية منعزلة، بل تدمج اعتبارات الأمن ضمن الحوكمة، والتنظيم، والتخطيط الاقتصادي، والتعليم الوطني، وتنظيم القطاعات، والشراكات العالمية. نتيجة لذلك، باتت المؤسسات العاملة في الدولة قادرة على تبني الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية، في ظل توقعات امتثال أوضح، ومستويات أقل من عدم اليقين التشغيلي.
ومن أبرز النتائج، إطلاق مركز التميّز للأمن السيبراني في العاصمة أبوظبي في عام 2025، الذي جرى تطويره بالتعاون مع غوغل. ومن المتوقع أن يساعد في توفير أكثر من 20 ألف وظيفة، ويجذب استثمارات أجنبية بقيمة 1.4 مليار دولار بحلول عام 2030، مع تركيزه على تنمية المواهب، وحلول الدفاع المتقدمة، ونمو المنظومة عمومًا.
يضيف دكتور الكويتي: "نحن لا نبني أنظمة فحسب، بل نبني القدرات والثقافة، والحوكمة والشراكات، ما يمكّننا من المضي بثبات".
تعزيز أطر التعاون الدولي فيما يمتد هذا التوجه ليشمل أطر التعاون الدولي، إذ تعتمد أكثر من 25 دولة عناصر عدة من إطار الأمن السيبراني لدولة الإمارات، لبناء قدراتها الوطنية، لا سيما الدول التي تفتقر إلى مؤسسات أساسية، مثل فرق الاستجابة الوطنية للحوادث، أو مراكز عمليات الأمن. يقول: "أمنهم هو أمننا. وعندما نتعاون، ونتبادل المعلومات، وننسق على المستويات جميعها، نبني قدرة على الصمود تعود بالنفع على الجميع".
تقنيات الذكاء الاصطناعي تُعدّ تقنيات الذكاء الاصطناعي محورًا أساسيًا في هذا المسعى؛ ففي الوقت الذي لا تزال فيه العديد من الحكومات تناقش سبل توظيف الذكاء الاصطناعي في الأمن السيبراني، شرعت الإمارات بتطبيقه فعلًا ضمن مجالات الكشف والاستجابة والتعافي. يوضح الكويتي: "الذكاء الاصطناعي ليس أداة إضافية وحسب، بل يمكّننا من تحليل البيانات، واكتشاف الأنماط، والاستجابة بسرعة".
في المقابل، يلفت الكويتي إلى المخاطر المرتبطة بهذه التقنيات، إذ أسهم الذكاء الاصطناعي في خفض الحواجز أمام المهاجمين، ما أتاح ممارسات عدة كالتزييف العميق، والاستغلال الآلي، والهندسة الاجتماعية على نطاق واسع. ولمواجهة هذه التحديات، جرى دمج حوكمة الذكاء الاصطناعي ضمن الاستراتيجية الوطنية، مع اعتماد مبدأ تصميم الأمن في الأنظمة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من فوربس الشرق الأوسط
