لم تعد الحرب في السودان تُدار في ساحات القتال وحدها، بل في قاعات التداول وأسواق الذهب العابرة للحدود. فبينما تغرق البلاد في عامها الـ3 من الصراع الدموي، تكشف تقارير دولية موثوقة أن الذهب السوداني المستخرج من مناطق النزاع وخاصة دارفور يواصل تدفقه بكثافة نحو أسواق أبوظبي، وتحديدًا دبي، ليشكّل شريان التمويل الأهم لاستمرار ميليشيات قوات الدعم السريع في الحرب السودانية.
هذا المسار المالي، الذي يعمل بهدوء خلف واجهات تجارية براقة، حوّل الذهب من ثروة وطنية كان يُفترض أن تدعم الاستقرار والتنمية في السودان إلى وقودٍ وحيد يطيل أمد القتال ويعمّق واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية عالميًا. وبين غياب الرقابة الصارمة وتراخي المساءلة الدولية، يطرح سؤال مشروع: إلى أي مدى يمكن للأسواق العالمية أن تظل بعيدة عن مسؤولية الدم الذي يُسفك في الخرطوم ودارفور؟
الشريك القاتل
تشير بيانات البنك المركزي السوداني وتقارير منظمات دولية، من بينها منظمة سويس أيد (SWISSAID)، إلى أن أبوظبي استحوذت على نحو 90% من صادرات الذهب السودانية خلال النصف الأول من عام 2025، بقيمة تجاوزت 1.97 مليار دولار.
ويرى خبراء اقتصاد موارد، أن هذه الأرقام لا تعكس سوى الجزء الظاهر من التجارة، إذ تُقدَّر الكميات المُهرّبة عبر الحدود البرية والجوية، خصوصًا من دارفور وكردفان، بكميات تفوق الصادرات المُعلنة. وتؤكد «سويس أيد» أن واردات أبوظبي من الذهب السوداني قفزت بنسبة 70% خلال عام 2024 لتصل إلى نحو 29 طنًا، ما عزز موقع دبي كمركز عالمي رئيسي لتجميع وتدوير الذهب القادم من مناطق النزاع في إفريقيا.
شركات أبوظبي العابرة للحدود
لا تقتصر العلاقة على التهريب والتصدير المباشر للذهب السوداني لأسواق أبوظبي، بل تمتد إلى شبكة معقدة من شركات الواجهة المسجّلة في الإمارات، يرتبط بها أو يديرها قادة في قوات الدعم السريع.
ووفقًا لتقرير منظمة ذا سنتري (The Sentry)، فإن هذه الشركات تعمل في قطاعات المجوهرات، والتصميم الداخلي، وإدارة الاستثمارات، وتُستخدم كقنوات لغسل عائدات الذهب السوداني وتحويلها إلى عملات صعبة. هذه البنية المالية المتشابكة مكّنت ميليشيا الدعم السريع من الالتفاف على العقوبات الدولية المفروضة على أفرادها، وتأمين تدفقات مالية مستقرة تُنفق على شراء المسيّرات والأسلحة النوعية، بما عزز قدرتها على الاستمرار العسكري وإطالة الصراع في السودان رغم الضغوط السياسية والدبلوماسية.
حرب موارد لا حرب سياسة
يرى محللون في مركز تشاتام هاوس (Chatham House) أن السيطرة على مناجم الذهب وخاصة في دارفور غيّرت طبيعة الصراع جذريًا، محوّلة إياه من نزاع سياسي على السلطة إلى «حرب موارد» بامتياز.
فالتدفق المستمر للسبائك نحو أسواق أبوظبي يوفر لقوات الدعم السريع سيولة نقدية فورية تُستخدم لدفع رواتب المقاتلين، وتجنيد مرتزقة من دول الجوار مثل كولومبيا، وتأمين الإمدادات العسكرية. وبذلك لم يعد الذهب موردًا اقتصاديًا فحسب، بل أداة إستراتيجية لإطالة أمد الحرب وعرقلة أي مسار تسوية سياسية قد يهدد السيطرة على مناطق التعدين.
مسؤولية دولية
من منظور القانون الدولي، لا يمكن اعتبار هذه التدفقات مسألة تجارية محايدة. فمبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان (UNGPs)، ومعايير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) الخاصة بسلاسل توريد المعادن من مناطق النزاع، تُلزم مراكز التجارة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
