الإِمَام عَلِي عَلَيه السَّلَام وَرَوعَةُ بَلَاغَتِهِ وَحِكَمِه اللَّامُتَنَاهِيَة

لَقَدْ شَدَّنِي كَثِيرًا لَفتٌ بَلِيغٌ، يُكتَبُ بِمَاءِ الذَّهَب، لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِي بْنِ أَبِي طَالِب عَلَيهِ السَّلَام، وَذلِكَ حِينَ وَضَعَ النِّقَاط عَلَى الْحُرُوف، فَهِيَ جَوهَرِيَّةٌ فِي مَعَانِيهَا، قَوِيَّةٌ فِي مَغْزَاهَا، قَيِّمَةٌ فِي عِبَارَاتِهَا، مُمَيَّزَةٌ فِي عَطَائِهَا، لَا يَمَلُّ الْحَصِيفُ مِن قِرَاءَتِهَا، إِذْ رَسَمَت خُطُوطًا عَرِيضَةً فِي مَبَادِئِهَا، وَأَنَارَت الطَّرِيقَ لِمَن يَقتَدِي بِهَا، وَيَتَبَنَّاهَا، وَيَجعَلُهَا هُدًى وَإِرشَادًا لِمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهَا.

وَلِهذَا يَقِفُ الْقَلَمُ عَاجِزًا عَن صِيَاغَةِ التَّعبِير وَالتَّعْلِيقِ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ مَا يُوَفِّي حَقَّ هٰذِهِ الْمَفَاهِيمِ الْإِنسَانِيَّةِ الرَّاقِيَة، الَّتِي إنبَثَقَت مِنْ عَينِ الْحِكْمَةِ وَالْبَلَاغَة الَّتِي يُمَثِّلُهَا الْإِمَامُ عَلِي عَلَيهِ السَّلَام، فِي أُسْلُوبٍ مِثَالِيٍّ، حَضَارِيٍّ، تَوْجِيهِي، تَرْبَوِي وَأَخْلَاقِيٍّ، تَخَطَّى كُلَّ الدَّسَاتِيرِ الدُّنْيَوِيَّة وَالْمَوَاثِيق الْوَضعِيَّة فِي كَيْفِيَّةِ التَّعَامُلِ مَعَ مَا خَطَّهُ وَثَبَّتَهُ النَّهجُ الْمُحَمَّدِيُّ الْأَصِيلُ، وَقَامَ الْإِمَامُ عَلِي عَلَيْهِ السَّلَامُ بِتَمثِيلِهِ وَتَطبِيقِهِ فِي عَالَمِ الوَاقِع، الَّذِي تَجَسَّدَ فِي إمتِزَاجِ أَقْوَالِهِ بِأَفْعَالِهِ.

وَهٰذَا مَا نَلمَسُهُ جَلِيًّا فِي هذِهِ الْأَيقُونَةِ الْمُبَارَكَة، الَّتِي رَسَمَهَا وَأَوضَحَهَا فِي تِلْكَ التَّوْجِيهَاتِ الْإِيمَانِيَّة والرَّبَّانِيَّةِ والمَنطِقِيَّةِ الْمُرتَبِطَة بِشَعَائِرِ الْإِسلَام وَأَهْدَافِه وَغَايَاتِه.

وَقَد تَمَثَّلَت فِيمَا دَارَ بَينَهُ وَبَينَ بَعْضِ الْمُصَلِّين، الَّذِينَ غَرَّتهُمْ كَثرَتُهُم وَتَغَافَلُوا عَنْ أَنَّ الْأَمرَ كُلَّهُ مَرْتَبِطٌ بِالنَّتَائِجِ عَمَلًا وَقَولًا، لَا بِالْكَثْرَةِ الَّتِي يَتَوَهَّمُونَهَا.

فَجَاءَ رَدُّ الْإِمَام عَلَيهِ السَّلَام لِيَضرِبَ فِي صَمِيمِ الْحَقِيقَةِ، وَيَنسَجِمَ مَعَ النَّظرَةِ الْقُرآنِيَّة الَّتِي ذَمَّت الْكَثرَةَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَقَالَ مُخَاطِبًا وَمُنِيرًا مَا غَمُضَ عَلَيهِم:

فِي أَحَدِ الْأَيَّام، أُعْجِبَ الْمُصَلُّونَ بِكَثرَتِهِم فِي أَحَدِ الْمَسَاجِد، وَكَانَ الْإِمَامُ عَلِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِين عَلَيهِ السَّلَام إِمَامًا لِذٰلِكَ الْمَسجِد، فَقَالُوا لَهُ:

تَخَيَّل يَا إِمَامُ كَمْ عَدَدُ الْمُصَلِّينَ!

فَقَالَ:

لَا أَحَد

وَمِنْ هَولِ الْمُفَاجَأَة لِجَوَابِهِ، قَالَ لَهُ أَحَدُهُم:

هَلْ أَنتَ أَعْمَى؟!

وَكَانَ فِي سُؤَالِهِ قِلَّةُ أَدَبٍ، وَقِلَّةُ إحتِرَام، فَأَجَابَهُمُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَائِلًا:

الأَعْمَى: مَن يُغمِضُ عَيْنَيْهِ عَن أَرمَلَةٍ أَوْجَعَ رَأْسَهَا حِمْلٌ ثَقِيلٌ.

الأَعْمَى: مَنْ تَوَجَّهَ لِلْقِبْلَةِ، وَأَدَارَ ظَهْرَهُ لِلْأَيْتَامِ وَالْفُقَرَاءِ.

الأَعْمَى: مَنْ سَجَدَ لِلَّهِ، وَتَكَبَّرَ عَلَى عِبَادِهِ.

الأَعْمَى: مَن كَانَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فِي الْمَسجِدِ، وَلٰكِنَّهُ غَابَ عَن صُفُوفِ الْجِيَاعِ، وَقَولِ الْحَقِّ.

الأَعْمَى: مَن تَصَدَّقَ يَوْمًا، وَهُوَ قَادِرٌ أَن يَتَصَدَّقَ دَومًا.

الأَعْمَى: مَنْ صَامَ عَنِ الطَّعَامِ، وَلَمْ يَصُمْ عَنِ الْحَرَام.

الأَعْمَى: مَن طَافَ بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَنَسِيَ أَنْ يَطُوفَ حَوْلَ فُقَرَاءَ يَمُوتُونَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ شِدَّةِ الْعَوَزِ.

الأَعْمَى: مَنْ رَفَعَ الْأَذَانَ، وَلَمْ يَرْفَع وَالِدَيه.

الأَعْمَى: مَنْ صَلَّى وَصَامَ، ثُمَّ غَشَّ فِي بَيعِهِ وَشِرَائِهِ.

الأَعمَى: مَن قَامَ بَينَ يَدَيِ اللَّه، وَقَلْبُهُ يَحْمِلُ حِقْدًا، وَكَرَهًا، وَبُغْضًا، وَاحْتِقَارًا لِإِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ.

الأَعْمَى: مَن كَانَ هُنَاكَ إنفِصَامٌ بَينَ عِبَادَتِهِ وَأَخلَاقِهِ وَمُعَامَلَاتِه.

الأَعمَى: مَن صَلَّى وَسَجَدَ وَصَامَ، وَهُوَ يَظلِمُ وَيُنَاصِرُ الظُّلمَ.

الأَعْمَى: مَن صَلَّى وَصَامَ، وَيَدَاهُ مُلَطَّخَتَانِ بِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ.

الأَعْمَى: مَن صَلَّى وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِصَلَاتِهِ.

الأَعْمَى: مَنْ أَخَذَ مِنَ الدِّينِ بَعْضَهُ، وَتَرَكَ بَعْضَهُ.

وَصَدَقَ اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيم إِذْ يَقُولُ:

﴿وَمَنْ كَانَ فِي هٰذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾.

وَلِبَلَاغَةِ هذَا الرَّد، سَادَ الصَّمتُ الْجَمِيع، فَلَا يَخْلُو أَحَدٌ مِنْ نَقصٍ أَوْ ذَنْبٍ.د، وَلَا نَزَال عَلَى هٰذِهِ الْحَال حَتَّى الْيَوم، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.

جمال المطوع


هذا المحتوى مقدم من خليج الديرة

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من خليج الديرة

منذ ساعتين
منذ 10 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 3 ساعات
صحيفة سبق منذ ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 3 ساعات
اليوم - السعودية منذ 7 ساعات
صحيفة سبق منذ 19 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 5 ساعات
صحيفة عاجل منذ ساعة
اليوم - السعودية منذ 10 ساعات