حتى الطقس لم يسلم من عثرات الذكاء الاصطناعي على مواقع التواصل الاجتماعي. عندما اجتاح إعصار ميليسا جامايكا هذا الصيف، على سبيل المثال، خدعت مقاطع فيديو مُفبركة مُولّدة بالذكاء الاصطناعي بعض الناس وجعلتهم يعتقدون أن الوضع أسوأ مما هو عليه. (لا، لم تكن هناك أسماك قرش تسبح في مسابح الفنادق).
لكن في الخفاء، كان هناك مسعى آخر للذكاء الاصطناعي يُحقق نتائج إيجابية. بينما كان إعصار ميليسا يشتد، قدّم نموذج برمجي من جوجل أولى التنبؤات الدقيقة بمسار العاصفة وقوتها، ما ساعد الناس على الاستعداد للأسوأ. وقد تُساعد نماذج ذكاء اصطناعي أخرى في الإجابة على السؤال القديم: هل ستمطر يوم الثلاثاء المقبل؟
أنفقت شركات جوجل و هواوي و مايكروسوفت و إنفيديا ، بالإضافة إلى عدد كبير من الشركات الناشئة وفرق البحث الجامعية، ملايين الدولارات لتطوير أدوات التنبؤ بالذكاء الاصطناعي. على عكس نماذج الحاسوب التقليدية للأرصاد الجوية، لا يستطيع مبتكرو هذه الأدوات شرح آلية عملها بدقة.
قال تود هاتشينسون، مدير قسم الأرصاد الجوية في شركة ويندبورن سيستمز (Windborne Systems) الناشئة المتخصصة في هذا المجال: "إنها أشبه بصندوق أسود يُنتج هذه التنبؤات الجوية. تصعب معرفة كيف توصلنا إلى هذه النتائج".
بدأت شركات التقنية العملاقة تدمج هذه النماذج في منصاتها السحابية، على أمل أن تصبح من الخدمات الأساسية.
تستخدم شركات الطاقة، ومشغلو النقل وتجار السلع أدوات التنبؤ بالذكاء الاصطناعي. وقريباً، يُرجّح أن يطّلع أي شخص يُخطط لحفلة عيد ميلاد طفله في الهواء الطلق على تنبؤات جوية تتضمن مدخلات من الذكاء الاصطناعي- إذ يُغذي نموذج جوجل بيانات في خرائطها ومحرك بحثها.
أوروبا والولايات المتحدة تتبنيان هذه التقنية في وقت يبدو فيه مجال الذكاء الاصطناعي مزدهراً جداً، يقدّم التنبؤ بالطقس قيمة حقيقية. إنه نوع من مهام النمذجة المناسبة للتعلم الآلي الحديث، الذي يملك قاعدة بيانات تدريبية ضخمة ومتنامية. يُشغّل المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى نموذج ذكاء اصطناعي عالمي يتفوق على المحاكيات التقليدية غير القائمة على الذكاء الاصطناعي في عدة معايير، ويستخدمه خبراء الأرصاد الجوية في جميع أنحاء القارة.
لقد أطلقت هيئة الأرصاد الجوية الوطنية الأميركية أدواتها الخاصة للتنبؤات الجوية القائمة على الذكاء الاصطناعي في ديسمبر.
تستخدم هذه النماذج الشبكات العصبية، وهي نفس البنية المستخدمة في نماذج اللغة الكبيرة، ولكنها تُدرّب على مجموعات بيانات مُستمدة من أجهزة استشعار درجة الحرارة والرطوبة بدل النصوص.
يشغّل المطورون هذه البرامج، فتصدر تنبؤات حول الجبهات الباردة ومسارات الأعاصير بدقة تفوق دقة أحدث الأنظمة المستخدمة في وكالات الأرصاد الجوية الحكومية. لعل الأهم من ذلك، أنها أرخص وأسرع بكثير من نماذج التنبؤ التقليدية.
مع ذلك، ما يزال ما يحدث في الخفاء غير واضح. هل البرنامج بارعٌ فقط في مطابقة الأنماط، أم أنه يستنتج فهماً أساسياً لسلوك الغلاف الجوي؟ قد لا يكون لهذا التمييز أهمية إذا كانت التنبؤات مفيدة، ولكنه يصبح بالغ الأهمية إذا أردنا استخدام هذه النماذج لدراسة كيفية عمل الغلاف الجوي.
قال مايك بريتشارد، مدير أبحاث محاكاة المناخ في شركة إنفيديا : "كنتُ متشككاً جداً حيال قدرتها على فهم الفيزياء، لكنني غيرت رأيي تماماً". يستشهد بريتشارد بدراسة من غريجغ حكيم، أستاذ علوم الغلاف الجوي والمناخ في جامعة واشنطن والمؤلف المشارك لكتاب مرجعي مهم حول ديناميكيات الغلاف الجوي.
تشمل اهتمامات حكيم البحثية الطرق التي نستخدم بها الحواسيب لمحاكاة الطقس، وعندما ظهرت نماذج التعلم العميق الجديدة، قرر اختبارها. استخدم حكيم نموذجاً من شركة هواوي اسمه"بانغو-ويذر" لاختبار قدرته على محاكاة سلوك الغلاف الجوي.
الذكاء الاصطناعي "تعلم الفيزياء" في أحد الأمثلة، أسقط العلماء نظام ضغط منخفض في وسط المحيط الأطلسي، متسائلين عما إذا كان سيتشكل إعصار. قال حكيم عن الورقة البحثية المنشورة عام 2024 في مجلة "الذكاء الاصطناعي لأنظمة الأرض": العجيب كان أن نموذج (بانغو-ويذر) قدم استجابات واقعية جداً لكيفية تحريفنا له. لقد كانت مفاجأة! هذه النماذج تعلمت الفيزياء!".
لا يصل جميع العلماء إلى هذا الحد من الحماسة، لكن لا يمكن إنكار وجود قدر كبير منها تجاه هذا النهج في محاكاة الطقس. يُبدي ماثيو شانتري، عالم الرياضيات الذي يقود أعمال الذكاء الاصطناعي في المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى، إعجابه بإحدى القدرات الرئيسية للنماذج الجديدة: قدرتها على التنبؤ السريع بساعات عدة مقبلة، بينما تتقدم عمليات المحاكاة الحاسوبية التقليدية ببطء شديد، دقائق معدودة في كل مرة.
قال شانتري: "إذا كتبنا المعادلات الفيزيائية وحلناها على حاسوب فائق، فسنحتاج إلى شيء من التمهل لضمان استقرار النتائج". وإلا، تتمدد المعلومات بسرعة كبيرة جداً وينهار النظام بأكمله". لا يبدو أن نماذج الذكاء الاصطناعي تعاني من هذه المشكلة؛ بل يبدو أنها حققت طفرة في مجال الأرصاد الجوية لم يتمكن العلماء بعد من دراسته من حيث الهندسة العكسية.
هل حسم الذكاء الاصطناعي سؤال تأثير الفراشة؟ قدّم حكيم وزميله في التأليف، طالب الدراسات العليا ترينت فونيتش، ادعاءً جريئاً. يقولان إن هذا النهج لديه القدرة على تجاوز ما كان يُعتبر حدوداً أساسية لقدرتنا على التنبؤ بالتغيرات في الغلاف الجوي. بعبارة أخرى، ربما يكون الذكاء الاصطناعي قد حسم مسألة تأثير الفراشة.
للتذكير، يصف تأثير الفراشة فكرة أن التغييرات الطفيفة في نظام معقد يمكن أن تحدث آثاراً هائلة وغير متوقعة. على سبيل المثال، قد يكون رفرفة جناح فراشة مسؤولة عن توليد إعصار هائل في مكان ما من العالم. عملياً، لطالما فرض تأثير الفراشة قيوداً على قدرتنا على التنبؤ بالطقس. في أبسط صوره، يتعلق الأمر بمفاجأة الناس بأجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم.
يعود أصل هذا المفهوم إلى عام 1960، عندما كان الباحث إدوارد لورنز من معهد ماساتشوستس للتقنية يجري تجارب على محاكاة رقمية للطقس. (ليس المقصود "الطقس" شمولياً، بل "طقساً" ما).
في ذلك الوقت، كان خبراء الأرصاد الجوية الجادون يتجنبون التنبؤات الجوية والحوسبة. لكن لورنز اكتشف أنه عندما غيّر مدخلات محاكاة الطقس الحاسوبية الخاصة به ببضع أجزاء من عشرة آلاف من الوحدة، أنتجت المحاكاة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من اقتصاد الشرق مع Bloomberg


