يعرب عدد من الفاعلين في قطاع الاتصالات في أوروبا عن قلق متزايد إزاء المسار الاستراتيجي الجديد لشركة «نوكيا» الفنلندية، في ظل تنامي النفوذ الأميركي داخل أحد أبرز عمالقة معدات الشبكات في القارة، ما يفتح نقاشاً واسعاً حول مستقبل السيادة التكنولوجية الأوروبية.
وتُعد هوائيات «نوكيا» المستخدمة في الشبكات المحمولة جزءًا من البنى التحتية الحيوية في كل من أوروبا والولايات المتحدة، الأمر الذي يضع الشركة في قلب معادلة جيوسياسية معقّدة، خصوصاً مع سعي بروكسل إلى تقليص اعتمادها على الموردين الأجانب في القطاعات الحساسة.
التحول للذكاء الاصطناعي يدعم أعمال «نوكيا» الفنلندية في الربع الرابع
أولو.. قاعدة صناعية أوروبية تحت ضغط التحولات
يقع أحد أهم المواقع الصناعية والتقنية لـ«نوكيا» في مدينة أولو شمال فنلندا، وسط غابات كثيفة من الصنوبر والتنوب، حيث يعمل آلاف المهندسين والباحثين على تطوير معدات اتصالات مدنية وعسكرية متقدمة.
وافتتح المجمع في خريف 2025 باستثمارات تقارب 200 مليون يورو، ويضم نحو ثلاثة آلاف موظف، يركزون على تصميم وتصنيع هوائيات الجيل الخامس، إلى جانب التحضير لتقنيات الجيل السادس. ويُنظر إلى موقع أولو بوصفه رمزًا للقدرات الصناعية الأوروبية في قطاع الاتصالات، إلا أن مكانته باتت موضع تساؤل مع تغيّر أولويات الشركة الاستثمارية.
وبحسب تقرير لصحيفة «لوموند» الفرنسية، يعكس هذا الموقع التاريخي التناقض القائم داخل «نوكيا»: قاعدة صناعية أوروبية متقدمة، مقابل توجه استراتيجي متزايد نحو السوق الأميركية كمحرّك رئيسي للنمو.
انتقال مركز القرار نحو الولايات المتحدة
بدأت ملامح هذا التحول بالظهور مطلع 2025 مع تعيين الأميركي جاستن هوتارد رئيساً تنفيذياً للشركة في أبريل من العام نفسه، خلفًا للفنلندي بيكا لوندمارك. ويأتي هوتارد من خلفية تقنية في شركة «إنتل»، حاملاً رؤية تركز على مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهي مجالات تقودها السوق الأميركية عالمياً.
وتعزز هذا المسار عبر صفقات كبرى، أبرزها استحواذ «نوكيا» في مارس 2025 على شركة «إنفينيرا» الأميركية المتخصصة في الشبكات الضوئية مقابل 2.3 مليار دولار، إضافة إلى دخول شركة «إنفيديا» إلى هيكل رأس المال بحصة تبلغ 2.9%، عبر استثمار يقارب مليار دولار في أكتوبر 2025.
وفي المقابل، تراجع الوزن الأوروبي في هيكل الملكية، إذ لا تتجاوز حصة صندوق الدولة الفنلندية «سوليديوم» 6% من رأس المال، ما يقلّص قدرة الجهات الأوروبية على التأثير في توجهات الشركة الاستراتيجية.
أوروبا خارج مركز الثقل الاستثماري
تنعكس هذه التحولات بوضوح في خريطة الإيرادات والاستثمارات. ففي نوفمبر 2025، اختارت الإدارة الجديدة مدينة نيويورك للإعلان عن خطتها الاستثمارية، بالتزامن مع إعلانها تقليص 427 وظيفة في فرنسا، في خطوة عكست إعادة ترتيب الأولويات الجغرافية.
وعلى صعيد الأداء المالي، سجلت مبيعات «نوكيا» في أميركا الشمالية أكثر من 6.2 مليار يورو بزيادة سنوية بلغت 15%، متجاوزة لأول مرة إيرادات أوروبا التي تراجعت إلى نحو 6.16 مليار يورو. ويشير هذا التحول إلى أن السوق الأميركية باتت تمثل مركز النمو الأساسي، فيما تتحول أوروبا تدريجيًا إلى سوق مستقرة أو ثانوية ضمن استراتيجية الشركة.
هيمنة عبر القرار والسوق لا عبر الاستحواذ
ولا يرتبط الجدل الدائر حول «نوكيا» بإمكانية استحواذ أميركي مباشر على الشركة، بقدر ما يتصل بمسار تدريجي ينقل ثقل القرار الاستراتيجي نحو الولايات المتحدة. ويشمل هذا المسار تركيز الاستثمارات في السوق الأميركية، وتوسيع الشراكات مع شركات تكنولوجيا أميركية، وربط نمو الشركة بمنظومات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات التي تقودها واشنطن.
ويرى خبراء في قطاع الاتصالات أن هذا النموذج من النفوذ، القائم على السوق ورأس المال والتكنولوجيا، قد يكون أكثر تأثيرًا من الاستحواذ المباشر، إذ يعيد توجيه أولويات الشركة التشغيلية والبحثية بما يتماشى مع المصالح الأميركية، من دون تغيير رسمي في ملكيتها أو مقرها القانوني.
تراجع الأسهم الأوروبية رغم ضخ «إنفيديا» مليار دولار في «نوكيا»
رهانات سيادية أوروبية متزايدة
تكتسب هذه التحولات بعداً استراتيجياً في ظل واقع سوق معدات الشبكات العالمية، حيث لا تمتلك الولايات المتحدة حالياً لاعباً محلياً كبيراً في هذا القطاع، مقابل احتفاظ أوروبا بشركتي «نوكيا» و«إريكسون»، والصين بشركتي «هواوي» و«زد تي إي».
وبعد حظر «هواوي» من السوق الأميركية في عام 2019، أصبحت شبكات الاتصالات الأميركية تعتمد بشكل متزايد على موردين أوروبيين، ما يضع «نوكيا» في موقع حساس بين متطلبات السوق الأميركية وحسابات السيادة الأوروبية. ويرى مراقبون أن فشل محاولات واشنطن السابقة لتطوير بدائل محلية عبر شركات التكنولوجيا الكبرى قد يدفعها إلى تعزيز نفوذها داخل الشركات الأوروبية القائمة بدلًا من بناء منافسين جدد.
«نوكيا» بين أولويات اقتصادية وحسابات جيوسياسية
في بروكسل، تتزايد النقاشات حول مستقبل السيادة الرقمية للقارة، لا سيما مع تشديد القيود على الموردين الصينيين لأسباب أمنية. ويؤكد مسؤولون في قطاع الاتصالات أن الحفاظ على «نوكيا» و«إريكسون» كشركتين أوروبيتين فاعلتين لم يعد مسألة اقتصادية فحسب، بل ركيزة أساسية للأمن التكنولوجي الأوروبي.
في المقابل، تشدد إدارة «نوكيا» على أن أوروبا لا تزال ضمن أولوياتها، وأن توسعها في الولايات المتحدة تحكمه اعتبارات اقتصادية بحتة تتعلق بالنمو والربحية، مع تجنب الخوض في الأبعاد الجيوسياسية. إلا أن هذا الموقف لا يبدد المخاوف من أن تتحول الشركة تدريجيًا إلى لاعب أوروبي بالهوية، فيما تُدار أولوياته وفق إيقاع السوق والنفوذ الأميركيين.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
