لم تكن مدينة طروادة تدرك أن الهدية التي أُدخلت أسوارها، بكل ما حملته من مظهر احتفالي، كانت تخفي في جوفها بذور الانهيار. وعلى نحو مشابه، قد تدخل إلى الاقتصادات الحديثة طفرات استثمارية ضخمة تبدو في ظاهرها عنوانًا للنهضة، لكنها تحمل في داخلها تسربًا هادئًا للأثر الاقتصادي. فلا تفشل الاقتصادات لأنها أنفقت كثيرًا، بل لأنها لم تطلب مقابلًا كافيًا من إنفاقها. فالإنفاق، مهما بلغ حجمه، لا يتحول تلقائيًا إلى تنمية مستدامة ما لم يُدار بسياسات تحوّله إلى قدرة باقية.
كثير من النقاش الاقتصادي يركز على حجم البرامج والموازنات، لكنه يغفل البعد المؤسسي للأثر. فالاستثمار قد يتحول، من حيث لا يُقصد، إلى قناة تسرب إذا غابت الحوكمة التي تربط القرار المالي بالتنفيذ والمساءلة. الأثر لا يتولد من الصرف ذاته، بل من الطريقة التي يُتخذ بها القرار، ومن محاسبة الأداء على أساس القيمة المتحققة لا سرعة الإنجاز. ولهذا، نجحت الدول التي بنت مؤسسات تقييم مستقلة وقواعد شفافة في تحويل الحوافز إلى نتائج قابلة للقياس، فيما تعثرت دول أخرى رغم وفرة الموارد.
ويبدأ الأثر الاقتصادي الحقيقي من سوق العمل. فقد ركزَّت دول عديدة على خلق وظائف سريعة، لكنها أغفلت نوعيتها ومستوى القيمة المضافة فيها، فارتفعت التحويلات المالية للخارج وبقيت الوظائف المعرفية العليا خارج السيطرة الوطنية. في المقابل، تعاملت دول مثل كوريا الجنوبية مع سوق العمل كجزء من السياسة الصناعية، فاستثمرت في المهارات الهندسية والتقنية والإدارية، وربطت التعليم بالإنتاج، لتصبح العمالة الوطنية عنصرًا من عناصر التنافسية لا مجرد مستفيد من النمو.
ويمتد الأثر إلى المنظومة المالية، حيث يشكل الاعتماد على التمويل والتأمين وإعادة التأمين الخارجي أحد أبرز مسارات التسرب الصامت. تجارب فاشلة عديدة أظهرت أن إنفاقًا ضخمًا قد يقود إلى نمو هش إذا خرجت عوائده على شكل أرباح وفوائد إلى الخارج. نيجيريا مثالٌ واضح، موارد كبيرة وإنفاق واسع، لكن منظومة مالية محلية محدودة قلّصت الأثر الداخلي للنمو. وعلى النقيض، بنت دول مثل النرويج وماليزيا أنظمة مالية وطنية مكّنتها من الاحتفاظ بالقيمة داخل الاقتصاد وتحويل الإنفاق إلى دورة مالية داعمة للاستقرار طويل الأجل.
ويظهر الفرق ذاته في.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاقتصادية
