في ظل التطور السريع الذي يشهده قطاع البناء والبنية التحتية في دول مجلس التعاون الخليجي، بدأت المشاريع الحكومية ترفع سقف التوقعات الرقمية. فالمناقصات العامة تطالب بشكل متزايد بتحديثات فورية للمشاريع، وتوثيق مؤتمت، وتتبع ذكي للامتثال ما يجعل «الجاهزية للذكاء الاصطناعي» ليست ميزة تنافسية فحسب، بل شرطاً أساسياً للتأهل.
في منطقة تتسابق فيها المشاريع العملاقة مثل نيوم، ودبي الحضرية التقنية، ومدينة لوسيل، أدى التقاء الرؤى الوطنية مع تخطيط البنية التحتية الذكية إلى تحول جذري في طريقة التعاقد وتنفيذ المشاريع. ولم يعد السعر والخبرة وحدهما كافيين للفوز بالمناقصات الحكومية بل أصبح السؤال هو: هل يمكن لفريقك تنفيذ التقارير الرقمية والرؤى التنبؤية التي تتطلبها طموحات المدن الذكية؟.
السعودية تراهن على الذكاء الاصطناعي لدعم الترفيه
لماذا الأهمية الآن؟
تعمل الجهات الحكومية وشبه الحكومية في الخليج على دمج المعايير الرقمية والبيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) ضمن أطرها التعاقدية. فمثلاً، نشرت الهيئة السعودية للمقاولين (SCA) وهيئة أبو ظبي الرقمية (ADDA) استراتيجيات للتحول الرقمي تشجع على استخدام حلول الذكاء الاصطناعي في البناء وإدارة المرافق.
ووفقاً لدراسة أجرتها (PwC) في الشرق الأوسط عام 2023، يعتقد 65% من شركات البناء في الخليج أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر بشكل كبير على عملياتهم خلال السنوات الخمس المقبلة، لكن أقل من 30% منها لديها خارطة طريق واضحة للتنفيذ. هذا الفجوة الرقمية أصبحت عاملاً حاسماً في منح العقود، خصوصاً في المناقصات الحكومية التي يراقب فيها الامتثال والتقارير والاستدامة بشكل فوري.
المناقصات الحكومية أصبحت أكثر ذكاءً
غالباً ما تتضمن المناقصات الصادرة عن بلدية دبي ووزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان في السعودية (MOMRAH) متطلبات للإبلاغ الرقمي عبر دورة حياة المشروع، وتوافق مع نمذجة معلومات البناء (BIM)، وتوثيق مؤتمت للجودة، واستعداد للصيانة التنبؤية.
فعلى سبيل المثال، تفرض خارطة طريق (BIM) في دبي دمج النمذجة الرقمية في جميع المشاريع الحكومية الكبرى بحلول عام 2025. وفي السعودية، تتطلب مشاريع كبرى ضمن رؤية 2030 مثل روشن والقدية لوحات متابعة رقمية وبيئات بيانات مركزية للمقاولين والاستشاريين.
أدوات الذكاء الاصطناعي التي تدعم اكتشاف العيوب، وأتمتة المهام، وجدولة الأعمال التنبؤية أصبحت مكونات أساسية في معايير التأهيل المسبق. أما المقاولون غير القادرين على إثبات امتلاكهم لهذه القدرات فقد يواجهون خطر الاستبعاد أو يُقصر دورهم على عقود من المستوى الأدنى.
ماذا تعني «الجاهزية للذكاء الاصطناعي» عملياً؟
الجاهزية للذكاء الاصطناعي لا تقتصر على تثبيت برنامج جديد، بل تتطلب مواءمة الأشخاص والعمليات والمنصات للاستفادة من الأتمتة والتحليلات والتعلم الآلي عبر دورة المشروع بالكامل. أحد المؤشرات الواضحة هو القدرة على رقمنة التوثيق وأتمتة سير العمل في التقارير. فحلول مثل PlanRadar تُستخدم الآن في العديد من المشاريع في الخليج لتبسيط عمليات التفتيش، وتتبع المشكلات، وطلبات المعلومات، وتحديثات المواقع اليومية، ما يضمن تسجيل البيانات في الوقت الفعلي وإتاحتها لجميع أصحاب المصلحة.
مجال آخر رئيسي هو تخطيط الصيانة التنبؤية، حيث تستند نماذج الذكاء الاصطناعي إلى بيانات تاريخية ومدخلات من أجهزة استشعار ذكية للتنبؤ بالأعطال المحتملة أو انخفاض أداء المعدات قبل حدوثها ما يتيح التدخل المبكر وتجنب التأخيرات المكلفة.
بالإضافة إلى ذلك، يعتمد المقاولون على أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحسين الجدولة وتوزيع الموارد بكفاءة أكبر. تحلل هذه الأنظمة الجداول الزمنية، وتوافر القوى العاملة، وظروف المواقع لمساعدة المديرين في تقليل الأعمال المتكررة وضغط جداول التسليم.
كما أن القدرة على إدارة تقارير الامتثال ومعايير ESG أصبحت أساسية. في ظل تزايد التركيز على الاستدامة والمصادر الأخلاقية، أصبحت لوحات المعلومات المؤتمتة أدوات ضرورية لتوثيق الانبعاثات، والتحقق من شهادات المواد، وتتبع ممارسات العمل.
وبحسب تقرير (AI Watch) الصادر عن المفوضية الأوروبية لعام 2023، أفادت الشركات التي اعتمدت أدوات إدارة مشاريع مدعومة بالذكاء الاصطناعي بتحقيق تقليص في مدة التسليم بنسبة تصل إلى 20%، وتخفيض في التكاليف التشغيلية بنسبة 15%.
روبوتات تتداول بدلاً عن البشر.. ذكاء اصطناعي يهدد مدّخرات الأردنيين
مقاولو الخليج عند مفترق طرق
بينما بدأت الشركات الكبرى في المنطقة بدمج أدوات الذكاء الاصطناعي في عملياتها، لا تزال العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة تعتمد على الجداول الإلكترونية والإدارة الميدانية اليدوية. وهذه الفجوة الرقمية أصبحت عبئاً متزايداً، لا سيما في ظل تزايد متطلبات المشاريع الحكومية للتوثيق الرقمي، والتحديثات الفورية، والتقارير الشفافة.
للحفاظ على التنافسية، يحتاج المقاولون إلى اتخاذ خطوات مدروسة نحو التحول الرقمي. ويشمل ذلك الاستثمار في تطوير مهارات الفرق وخاصة مديري المشاريع، والمهندسين الميدانيين، وفِرَق الجودة لضمان قدرتهم على استخدام المنصات الحديثة. كما أن التعاون مع مزودي التقنيات لتبني حلول قابلة للتطوير وسهلة الاستخدام يُعد ضرورياً. ولا يقل أهمية عن ذلك وضع خارطة طريق واضحة لاعتماد الذكاء الاصطناعي، بدءاً من الوظائف البسيطة ووصولاً إلى التحليلات التنبؤية والتقييمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
ووفقاً لتقرير «ماكينزي» لعام 2023، فإن شركات البناء التي دمجت الذكاء الاصطناعي حتى في عملية أساسية واحدة مثل الجدولة أو تتبع العيوب حققت انخفاضاً في الأعمال غير المكتملة والأخطاء الميدانية بنسبة 25% في المتوسط، وتؤدي هذه التحسينات إلى وفورات مباشرة في التكاليف، وتحسين مصداقية تسليم المشاريع، وتعزيز السمعة في بيئة تنافسية متزايدة.
النضج الرقمي هو المعيار الجديد
يشكل صعود المناقصات الرقمية في الخليج تحولاً جذرياً في مشهد التعاقدات في قطاع البناء. لم تعد جاهزية الذكاء الاصطناعي حلماً مستقبلياً بل أصبحت مطلباً أساسياً.
الشركات التي تعتمد المنصات الرقمية، وتطور فرقها، وتُظهر قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي لن تكتفي بتلبية متطلبات القطاع العام، بل ستكسب أيضاً ميزة تنافسية طويلة الأمد في منطقة تستعد لقيادة الثورة العالمية في البناء الذكي.
لم يعد السؤال: هل يجب أن تستعد شركتك للذكاء الاصطناعي؟ بل: ما مدى سرعتك في التكيف؟
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
