لم تعد الهجرة ملفاً سياسياً ظرفياً، بل تحولت إلى قدرات اقتصادية تدفع الدول للنمو والاستقرار في عالم يشهد تغيرات سريعة في الديموغرافيا والتكنولوجيا.. التفاصيل في لمزيد من الأخبار والتحليلات الاقتصادية تابعوا

لم تعد الهجرة ملفاً سياسياً ظرفياً، بل تحولت إلى قدرات اقتصادية تدفع الدول للنمو والاستقرار في عالم يشهد تغيرات سريعة في الديموغرافيا والتكنولوجيا. ومع تزايد شيخوخة السكان في الاقتصادات المتقدمة وتوسع الذكاء الاصطناعي، أصبح استقطاب العمالة والاحتفاظ بها عاملاً فاصلاً بين اقتصادات قادرة على التكيف وأخرى مهددة بالتباطؤ طويل الأمد.

وأكد تقرير حديث لـ«إرنست آند يونغ» (EY) أن الهجرة، حين تُدار كبنية تحتية متكاملة، تتحول إلى عامل إنتاجي لا يقل أهمية عن الطاقة أو النقل أو رأس المال البشري.

وتشير البيانات الدولية إلى أن المنطقة العربية تحتل موقعاً فريداً ضمن هذه التحولات، إذ تضم دولاً مستقبلة كثيفة للعمالة، لا سيما في الخليج، إلى جانب دول مصدّرة للعمالة في شمال إفريقيا ترتبط مباشرة بأسواق العمل الأوروبية والخليجية.

الولايات المتحدة تعلق طلبات الهجرة لـ19 دولة

من أزمة قطاعية إلى قيود هيكلية

كشفت التطورات الأخيرة في الاقتصادات المتقدمة أن نقص العمالة لم يعد ظاهرة مؤقتة. ففي الولايات المتحدة، تأخر تشغيل مصانع أشباه الموصلات رغم توافر التمويل والتكنولوجيا، بسبب العجز عن إيجاد عمالة ماهرة. وتشير تقديرات أوردها التقرير نقلاً عن مؤسسات متخصصة في البنية التحتية الرقمية إلى الحاجة إلى نحو 300 ألف عامل إضافي عالمياً بحلول 2025، مع عجز 58% من مشغلي مراكز البيانات عن شغل الوظائف المتاحة.

وتعكس هذه الضغوط واقعاً مشابهاً في المنطقة العربية. فوفق بيانات «منظمة العمل الدولية» (ILO)، تعتمد اقتصادات الخليج بدرجة مرتفعة على العمالة الوافدة لسد فجوات المهارات في قطاعات الطاقة، والبتروكيماويات، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، وهي فجوات لا يمكن ملؤها محلياً بالوتيرة المطلوبة.

ويؤكد تقرير «إرنست آند يونغ» أن هذه الاختلالات مرشحة للتوسع في الاقتصادات المتقدمة ذات البنية الديموغرافية المتقادمة، إذ لا تعكس دورة اقتصادية عابرة، بل تحولات سكانية راسخة. فبحلول نهاية هذا العقد، ستشهد معظم هذه الاقتصادات انكماشاً في السكان في سن العمل، فيما سيصل معدل الإعالة لكبار السن إلى 52% بحلول 2060، متجاوزاً 75% في دول مثل اليابان وإيطاليا وإسبانيا وكوريا الجنوبية.

وفي الاتحاد الأوروبي، تُظهر بيانات «يوروستات» (Eurostat) أن 100% من نمو السكان في 2024 جاء من صافي الهجرة، وهو اتجاه يعزز الطلب الأوروبي المتزايد على العمالة القادمة من الجوار الجنوبي، ولا سيما شمال إفريقيا.

مهاجرون ينتظرون القطار المتجه إلى العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، في محطة فلنسبورغ، شمال ألمانيا، لمواصلة رحلتهم عبر أوروبا.

القدرة على الاستيعاب غائبة

في المقابل، يتوسع المعروض العالمي من العمالة بوتيرة غير مسبوقة. فبحسب تقديرات «البنك الدولي»، سيرتفع عدد السكان في سن العمل في إفريقيا جنوب الصحراء من 883 مليوناً في 2024 إلى 1.6 مليار بحلول 2050. كما يدخل 18 إلى 20 مليون شخص سن العمل سنوياً في جنوب آسيا، في وقت لا يستوعب فيه الاقتصاد المحلي سوى جزء محدود منهم.

وتشير بيانات «المفوضية السامية لشؤون اللاجئين» (UNHCR) إلى أن 304 ملايين شخص يعيشون حالياً خارج بلدانهم الأصلية، إضافة إلى 123 مليون نازح قسرياً بسبب النزاعات والكوارث. وفي هذا السياق، لفت التقرير إلى أن الخلل لا يكمن في نقص العمالة عالمياً، بل في ضعف قدرة الاقتصادات المستقبِلة على تحويل هذا التدفق البشري إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

كما تُظهر تقارير «المنظمة الدولية للهجرة» (IOM) أن دولاً مثل المغرب ومصر تمثل خزانات بشرية قريبة جغرافياً من أوروبا والخليج، غير أن هذه الميزة لم تُترجم بعد إلى رافعة إنتاجية منظمة عبر أنظمة هجرة دائرية أو شراكات مهارية طويلة الأجل.

بنية الهجرة

تؤدي أنظمة التأشيرات، والاعتراف بالمؤهلات، وتوافر السكن، وخدمات الاندماج دوراً مماثلاً للبنية التحتية المادية. وعندما تكون هذه الأنظمة غير مكتملة، تستمر فجوات سوق العمل حتى في ظل وفرة العرض.

ويُعد السكن أحد أبرز القيود عالمياً. ففي كندا، أضيف 5.1 أشخاص لكل وحدة سكنية جديدة في 2023 مقارنة بمتوسط تاريخي يبلغ 1.9. وفي أستراليا، بُني منزل واحد فقط لكل 3.2 مهاجرين، فيما تقدّر ألمانيا حاجتها إلى أكثر من 2.5 مليون وحدة سكنية جديدة بحلول 2030.

أما في دول الخليج، فقد مكّن الاستثمار المكثف في الإسكان والبنية الحضرية بعض الاقتصادات من امتصاص تدفقات سكانية سريعة، غير أن بيانات «البنك الدولي» ومنظمة العمل الدولية تشير إلى أن المرحلة التالية من هذا المسار تتمثل في تعزيز نماذج الاندماج طويل الأجل، بما يتماشى مع اتساع الإقامات طويلة الأمد وتطور متطلبات الاقتصادات الخليجية الأكثر تنوعاً.

أفق اقتصادي طويل

يفاقم تقلب سياسات الهجرة هذه الاختناقات، فبينما تتطلب الاستثمارات في الإسكان والاندماج والاعتراف بالمؤهلات سنوات طويلة، تُدار السياسات غالباً وفق دورات سياسية قصيرة. ويؤدي هذا التناقض، بحسب تقرير «إرنست آند يونغ»، إلى حالة عدم يقين تعرقل تخطيط الشركات وتدفع الحكومات إلى إدارة أزمات متكررة.

وعلى العكس من ذلك، تُظهر تحليلات صادرة عن «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا» (ESCWA) أن استقرار أطر الإقامة في بعض دول الخليج منح الشركات قدرة أعلى على التخطيط طويل الأجل مقارنة بعدد من الاقتصادات المتقدمة، في حين لا تزال دول المصدر تعاني من ضعف التنسيق بين سياسات التعليم واحتياجات أسواق العمل الخارجية.

قطاع التكنولوجيا الهندي في مرمى سياسات الهجرة الأميركية الجديدة

العائد الاقتصادي

في إسبانيا، أسهمت الهجرة في 64% من الوظائف الجديدة ونحو نصف النمو الاقتصادي في 2023، ما رفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3%، أي قرابة أربعة أضعاف متوسط منطقة اليورو، وفق بيانات رسمية أوردها التقرير.

كما يبرز الدور المالي للمهاجرين في دعم أنظمة التقاعد والخدمات الصحية، إضافة إلى مساهمتهم غير المتناسبة في الابتكار، إذ أسس المهاجرون أو أبناؤهم 46% من شركات «فورتشن 500» (Fortune 500) و44% من الشركات الناشئة التي تجاوزت قيمتها مليار دولار في الولايات المتحدة.

في المقابل، تُستخدم اليابان مثالاً على كلفة التقاعس، حيث أدى تراجع عدد السكان في سن العمل بأكثر من 11 مليون شخص بين 2000 و2018 إلى كبح النمو، رغم التقدم الكبير في الأتمتة.

الهجرة ليست ملفاً طارئاً

يخلص تقرير «إرنست آند يونغ» إلى أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الهجرة ستؤثر في الاقتصاد، بل ما إذا كانت الدول تمتلك البنية اللازمة لإدارتها بفعالية. فكما هو الحال مع الطرق أو شبكات الكهرباء، تتطلب بنية الهجرة تخطيطاً طويل الأجل واستثماراً متدرجاً وتنسيقاً بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني.

وفي المنطقة العربية، تُظهر بيانات المؤسسات المالية الدولية مسارين متوازيين: اقتصادات خليجية مرشحة لتعميق دورها كمراكز جذب للمواهب، ودول مصدّرة للعمالة مثل المغرب ومصر تمتلك، إذا أُحسن توظيفها، فرصة تحويل الهجرة من نزف بشري إلى رافعة إنتاجية إقليمية.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 3 ساعات
منذ 15 دقيقة
منذ ساعة
منذ 55 دقيقة
منذ 3 ساعات
منذ ساعة
قناة CNBC عربية منذ 4 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 20 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 15 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 7 ساعات
قناة العربية - الأسواق منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ 16 ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 5 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 20 ساعة