سوق بـ15 تريليون دولار.. دول تراهن على كبار السن كقوة اقتصادية

يتقدّم العالم في مسار الشيخوخة بوتيرة تفوق في كثير من الحالات نمو الدخل والإنتاجية، ما يفرض على صانعي السياسات والشركات مواجهة تحوّل ديموغرافي هيكلي سيعيد رسم ملامح سوق العمل وأنماط الاستهلاك وآفاق المالية العامة خلال العقد المقبل.

وتُظهر أحدث تحديثات «شعبة السكان» التابعة لـ«إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية في الأمم المتحدة» (UN DESA) أن عدد مَن هم بعمر 65 عاماً فأكثر تجاوز 800 مليون شخص عالمياً في 2024، مع توقعات بتخطي 1.1 مليار بحلول 2035، فيما يُنتظر أن يبلغ عدد من هم فوق 60 عاماً نحو 2.1 مليار بحلول 2050. هذه الأرقام لا تعكس مجرد تغير في الهرم السكاني، بل انتقالاً اقتصادياً واسع النطاق.

وقد دخلت عدة اقتصادات بالفعل ضمن فئة المجتمعات المُسنّة أو «فائقة الشيخوخة»، فيما تسير دول ناشئة بالوتيرة نفسها من دون أن تكون قد بلغت مستويات دخل مرتفعة بعد. وبينما يثير هذا التحول مخاوف بشأن ارتفاع كلفة الرعاية الاجتماعية وتقلّص القوى العاملة، فإنه يضع أيضاً الأساس لما بات الاقتصاديون يصفونه بـ«الاقتصاد الفضي»، وهو منظومة اقتصادية تقوم على تلبية احتياجات كبار السن وتعزيز قدراتهم الشرائية والإنتاجية.

صعود «الاقتصاد الفضي» ينذر بتسونامي ديمغرافي عالمي جديد

حجم السوق العالمية

في الولايات المتحدة، قدّرت «الرابطة الأميركية للمتقاعدين» (AARP) في تقريرها الأخير حول اقتصاد طول العمر أن المستهلكين بعمر 50 عاماً فأكثر أسهموا بأكثر من 8 تريليونات دولار في الناتج خلال 2022، مع توقعات بارتفاع مساهمتهم إلى 12.9 تريليون دولار بحلول 2030. وعلى مستوى أوسع، تشير تقديرات مشتركة سابقة للرابطة إلى أن الاقتصاد الفضي قد يقترب من 15 تريليون دولار مع نهاية العقد.

وفي موازاة ذلك، تُظهر بيانات «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» (OECD) أن معدل إعالة كبار السن، أي نسبة من هم فوق 65 عاماً إلى السكان في سن العمل، ارتفع من 21% عام 1990 إلى أكثر من 33% في 2024 في متوسط دول المنظمة، مع توقعات بتجاوزه 50% بحلول منتصف القرن إذا استمرت الاتجاهات الحالية. هذا التحول يغيّر معادلة الإنتاج والادخار والإنفاق العام.

ولا تقتصر الظاهرة على الاقتصادات العالمية، ففي المنطقة العربية، تشير تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا» (ESCWA) إلى أن عدد من هم فوق 60 عاماً سيرتفع من نحو 30 مليوناً في 2020 إلى أكثر من 71 مليوناً بحلول 2050، ما يضع الملف تدريجياً ضمن أولويات السياسات الاقتصادية.

وفي السعودية، تتوقع بيانات «الهيئة العامة للإحصاء» ارتفاع النسبة إلى أكثر من 20% من السكان بحلول 2050، بينما تُظهر بيانات المغرب تضاعف أعداد كبار السن تقريباً خلال العقدين الماضيين، في مسار يتسارع مع تحسن متوسط العمر المتوقع.

كبار السن.. منتجون لا مستهلكون فقط

على خلاف الصورة النمطية التي تصوّر المتقاعدين بوصفهم معتمدين على الإعانات، تشير تقارير منظمة العمل الدولية (ILO) إلى أن معدلات المشاركة في سوق العمل بين الفئة العمرية 55 64 عاماً ارتفعت في عدة اقتصادات خلال العقد الأخير، مدفوعة بتوسّع أنماط العمل المرن والعمل الجزئي. وفي اليابان، إحدى أسرع الدول شيخوخة، تتجاوز نسبة مشاركة من هم بين 65 و69 عاماً نصف هذه الفئة العمرية، وفق بيانات رسمية حديثة.

يرتبط هذا الاتجاه بتحسّن الصحة ومتوسط العمر المتوقع، لكنه يعكس أيضاً ضرورة اقتصادية. فـ«البنك الدولي» يشير إلى أن أكثر من نصف كبار السن في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل لا يتمتعون بتغطية تقاعدية رسمية شاملة، ما يعرّضهم لمخاطر الفقر في سن متقدمة ويزيد من حساسية التحول الديموغرافي.

ويعزّز ذلك المخاوف من أن عدداً من الاقتصادات «تشيخ قبل أن تثري». ويتمثل التحدي الرئيسي أمام السياسات العامة في احتواء الضغوط المالية من دون إقصاء كبار السن من النشاط الاقتصادي، بل تمكينهم من الحفاظ على استقلالهم المالي.

«الاندفاعة الفضية» عالمياً

من المتوقع أن يعيد هذا التحول الديموغرافي تشكيل قطاعات كاملة، من الرعاية المنزلية والرعاية طويلة الأجل إلى التكنولوجيا الطبية والتغذية المتخصصة والإسكان المكيّف وفق معايير التصميم الشامل. وتقدّر «منظمة الصحة العالمية» أن الإنفاق على الرعاية طويلة الأجل مرشح للنمو بوتيرة تفوق الناتج المحلي في الدول التي تتجاوز فيها نسبة كبار السن 20% من السكان.

كما يبرز كبار السن كمشاركين فاعلين في الاقتصاد الرقمي. ووفق بيانات «الاتحاد الدولي للاتصالات» (ITU)، تضاعفت تقريباً نسبة استخدام الإنترنت بين من هم فوق 65 عاماً خلال العقد الماضي عالمياً، ما يفتح أسواقاً جديدة للتجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية والتكنولوجيا المساندة للاستقلالية.

وفي الخليج، يتقاطع هذا الاتجاه مع توسّع الاستثمار في السياحة الصحية والعافية، خصوصاً في الإمارات والسعودية، حيث تُدرج الشيخوخة الصحية ضمن استراتيجيات التنويع الاقتصادي طويلة الأجل. ومع ارتفاع متوسط العمر المتوقع في الإمارات إلى ما يزيد على 79 عاماً، يتسع الطلب على خدمات الرعاية المتخصصة، والتأمين الصحي الممتد، والحلول السكنية الملائمة لكبار السن.

أولويات السياسات عالمياً

يتطلب تحويل الضغط الديموغرافي إلى زخم اقتصادي إصلاحات منسّقة تشمل توسيع سوق المنتجات والخدمات الملائمة لكبار السن، وإدماج معايير التصميم الشامل في الإسكان والبنية التحتية، وتقليل الاعتماد على استيراد التقنيات الطبية عبر تطوير صناعات محلية.

كما أن إصلاح سوق العمل يبقى محورياً؛ فترتيبات العمل المرنة، وبرامج إعادة التدريب، والحوافز التي تشجع على استمرار التوظيف بعد سن التقاعد، يمكن أن تمدد سنوات الإنتاج الفعلي. وتشير تحليلات «صندوق النقد الدولي» (IMF) حول الاستدامة المالية في 2025 2026 إلى أن زيادة مشاركة كبار السن في سوق العمل، إلى جانب إصلاحات تدريجية في أنظمة التقاعد، قد تخفّف جزءاً ملموساً من الضغوط المالية طويلة الأجل في عدة اقتصادات.

تحولات ديموغرافية في الصين.. «الاقتصاد الفضي» يستجيب للشيخوخة

بناء الأسس طويلة الأجل

على المدى القريب، يمكن أن تشمل الإصلاحات تعديل تشريعات العمل، ووضع معايير للمنتجات الصديقة لكبار السن، وإطلاق برامج لإعادة التأهيل المهني، وتقديم حوافز استثمارية لقطاعات الرعاية والتقنيات الصحية.

أما على المدى الأطول، فستحتاج الدول إلى بناء منظومات ابتكار في مجالات تكنولوجيا الغذاء والأجهزة الطبية والحلول الرقمية الموجهة للمجتمعات المُسنّة، إلى جانب أطر رعاية اجتماعية مرنة وقابلة للاستدامة.

يتسارع التحول الديموغرافي بوتيرة تجعل إدارته خياراً سياسياً لا يمكن تأجيله. والسؤال المطروح ليس ما إذا كانت الشيخوخة ستتقدم، بل ما إذا كانت الاقتصادات قادرة على تحويلها من ضغط مالي متصاعد إلى محرك نمو جديد.

فإذا نجحت السياسات والشركات في دمج كبار السن بوصفهم مستهلكين ومنتجين في آن واحد، فقد يتحول المجتمع المتقدّم في العمر إلى أصل اقتصادي عالمي، لا إلى عبء، ويغدو ما يبدو قيداً ديموغرافياً ركيزة لنمو أكثر شمولاً واستدامة.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 26 دقيقة
منذ 12 دقيقة
منذ ساعة
منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ 9 ساعات
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 14 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 16 ساعة
إرم بزنس منذ ساعتين
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ ساعة
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 9 ساعات
قناة CNBC عربية منذ ساعتين
صحيفة الاقتصادية منذ 15 ساعة