عمار علي حسن يكتب: «رأيتُها تمضي» و«رهان».. قصتان قصيرتان

١ ـ رأيتها تمضى...

فى الميدان الفسيح وقت الظهيرة، رأيتها تمضى. كانت مثقلة بأيامها، تدوس الأسفلت على مهل، لكنه كاد يبتلعها، رغم ضخامة جسدها، الذى كان فى أيامنا البعيدة مضرب الأمثال فى الرشاقة والليونة والدلال.

كنتُ عابرًا فى الاتجاه المُضاد لمشيها، كى ألحق موعدًا ضربته مع أصدقائى القدامى، الذين كان بعضهم يعرفها. أحدهم هام به عشقًا فى أيام الصبا، ولم يكُف عن تذكرها كلما جمعتنا اللقاءات المتباعدة على مقاهى وسط البلد. يقول لنا وهو غارق فى الحيرة والأسى عبارة سبكها فى رويَّة مع تقادم الزمن، كان يستعذب دومًا النطق بها أمامنا، وهو يميل بحديث عنها:

«توقفت أيامى عندها، ولم تزح فتنتها من عينى أى فتاة أخرى، فبقيت مخلصًا لها بعزوبيتى الخالصة».

حاذرت كى لا أجعلها ترانى، فربما تتذكرنى فأكون شاهدًا على انكسارها، وهى التى كانت تشمخ بأنفها فى وجه صاحبنا العاشق، وتهمس لغيره بأنها لن تكون إلا لثرى وسيم. لكننى لم أستطع أن أمنع عينيَّ عن متابعتها وهى ترفع خطوات وئيدة، تدفعها نحو محطة الحافلات التى تغص بالمنتظرين المتعبين.

كانت تحمل فى كل يد كيسًا من البلاستيك الأسود، وحذاؤها يئز متخليًا عن تلك الطقطقة التى كانت ترسل موسيقى تنخلع لها قلوب أيام صباها، حين تختلط بحفيف مشاكسة النسائم الطرية لشعرها البُنى المسترسل، ولطرف فستانها سخى الألوان.

مددتُ بصرى بشدة، حتى كاد يخترق ما تحمله، فأدركت أنه ربما يكون حبات من خضروات أو فاكهة اشترتها من سوق قريبة رخيصة، يهلُ عليها الموظفون بُعيد الظهر لشراء حاجات بيوتهم البسيطة.

حين انضمت إلى المتزاحمين عند المحطة، واستدارت فى اتجاه نهر الشارع الذى يشق الميدان، تمكّنت من اختلاس نظرات خاطفة إليها، ارتدت إلىّ محملة بصور لتجاعيد تتابعت فى عنقها، ومساحيق رخيصة تلطخ وجنتيها المنتفختين، وخصلات شعر تهدّلت على كتفيها العريضتين، وغزاها شيب ظاهر، ونظرات كسيرة إلى الفراغ الساخن. تعجبتُ من هذه المصادفة التى اغتالت صورة بديعة لا تزال محفورة فى رأس صديقنا العاشق وعينيه، وكان عليَّ أن أكتم ما رأيتُ إلى الأبد، وأصبر على ما أسمعه منه حين جلسنا متقابلين، وراح، كعادته، يسهبُ فى وصف محاسنها، ثم يغمض عينيه ويردد عبارته الأثيرة فى تبتل وامتنان.

٢ ـ رهان...

أخبرنى واحد من أهل قريتى برحيل سامح سعد الدين. كان هذا بعد ثلاثة أشهر من موته، أنصت إلى من أخبرنى طويلاً، ثم قلت له فى لهفة:

ـ أنت تهذى.

كدت أسمع صوت ابتسامته، ثم سألنى:

ـ لماذا لا تصدق؟

بادلته الابتسام، وقلت:

ـ سامح لا يموت الآن، فبيننا رهان مؤجل إلى زمن آخر.

جلجلت ضحكته، ثم قال:

ـ الرهانات تموت حين يموت المراهنون.

حين قابلنى صاحب النبأ، بعدها بيوم واحد،.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة المصري اليوم

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة المصري اليوم

منذ 5 ساعات
منذ ساعة
منذ 8 ساعات
منذ ساعتين
منذ 5 ساعات
منذ 9 ساعات
موقع صدى البلد منذ 17 ساعة
بوابة أخبار اليوم منذ 15 ساعة
موقع صدى البلد منذ 14 ساعة
موقع صدى البلد منذ 13 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 15 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 8 ساعات
بوابة أخبار اليوم منذ ساعتين
صحيفة اليوم السابع منذ 7 ساعات