في كل موجة تطور تقني، تظهر عناصر تصميمية تتحول بسرعة إلى "رمز للمستقبل". خلال الأعوام الأخيرة، كان مقود "Yoke"، ذلك الشكل المبتور من الأعلى، أحد أبرز هذه الرموز.
تصميم يذكّر بعصا تحكم الطائرات، ويمنح المقصورة مظهراً يوحي بأن السيارة تقود نفسها. لكن الصين، أكبر سوق للسيارات في العالم، تتحرك اليوم لوضع حد لهذا الاتجاه. الرسالة التنظيمية واضحة: "الجماليات المستقبلية مرحب بها، ما دامت لا تمسّ معادلات السلامة".
كارافان Bowlus Frontier 2026.. رفاهية البراري بـ256 ألف دولار
لماذا ظهر مقود "Yoke" أصلاً؟
أولاً - صعود أنظمة القيادة المتقدمة
مع توسع أنظمة المساعدة المتقدمة، خصوصاً لدى شركات مثل Tesla، بدأ التسويق لفكرة أن المقود لم يعد مركز التجربة كما كان سابقاً. في بيئة يُفترض أن السيارة تتحكم بجزء كبير من القيادة، يصبح تقليص شكل المقود قابلاً للتبرير. لكن الحقيقة التنظيمية مختلفة، حتى الآن، لا توجد أنظمة قيادة ذاتية كاملة (Level 5) مطروحة تجارياً. السائق لا يزال مسؤولاً قانونياً في معظم الأسواق.
ثانياً - تقنية Steer-by-Wire
تقنية التوجيه الإلكتروني، التي تبنتها علامات مثل Lexus في بعض الطرازات، تلغي الاتصال الميكانيكي التقليدي بين المقود والعجلات, ما يسمح بتقليل زاوية الدوران المطلوبة. من الناحية النظرية، هذا يجعل الحاجة إلى دائرة كاملة أقل إلحاحاً. لكن النظرية شيء، وسلوك السائق في المواقف الطارئة شيء آخر.
وبالتالي، فإن الشكوى الأساسية من مستخدمي "Yoke" لا تتعلق بالشكل، بل بالوظيفة.
المناورات الضيقة بسرعات منخفضة تصبح أقل سلاسة.
أسلوب تدوير المقود التقليدي (Hand-over-Hand) يتعطل.
القيادة بيد واحدة تفقد نقطة ارتكاز طبيعية.
ما يبدو ثورياً في الصور الدعائية قد يتحول إلى عنصر إرباك في مواقف تتطلب دقة وثقة.
مقصورة قيادة سيارة "سوني أفيلا" الكهربائية والتي تعتمد على مقود Yoke غير الدائري حيث يلتقي التصميم الجريء مع شاشات رقمية ممتدة
السلامة أولاً.. ما الذي يقلق الجهات التنظيمية؟
وفق بيانات استشهدت بها الجهات الصينية، فإن نحو 46% من إصابات السائقين في الحوادث ترتبط بآلية المقود. هذا الرقم يفسر التركيز التشريعي على تصميم العجلة نفسها. المسودة التنظيمية الجديدة، المعروفة باسم GB 11557-202X، تفرض قياسات دقيقة لحركة المقود بعد انتشار الوسادة الهوائية.
الاختبارات تشمل عشر نقاط قياس موزعة على المحيط الكامل، في تصميم "Yoke"، بعض هذه النقاط غير موجودة أساساً.
بمعنى عملي، المقود غير الدائري قد يفشل تقنياً في اختبار المطابقة قبل النظر إلى أي عوامل أخرى.
التشريع المقترح سيدخل حيز التنفيذ في 1 يناير 2027، مع فترة انتقالية 13 شهراً للطرازات المعتمدة سابقاً. هذا يمنح المصنعين وقتاً لإعادة تصميم المقصورة، لكنه أيضاً يفرض تكلفة هندسية وتسويقية واضحة.
بطارية المفتاح الذكي.. عطل صغير يكشف كلفة الراحة الرقمية في السيارات
كلفة إعادة "الدائرة"
الصين ليست سوقاً هامشياً. وفق بيانات International Energy Agency، استحوذت الصين على ما يقارب 60% من مبيعات السيارات الكهربائية عالمياً في 2023. أي تغيير تنظيمي هناك لا يبقى محلياً. إعادة تصميم المقود تعني:
إعادة هندسة نظام الوسادة الهوائية.
إعادة اعتماد الطرازات (Homologation).
تعديل قوالب الإنتاج.
إعادة صياغة الرسائل التسويقية المرتبطة بالهوية المستقبلية.
في سوق صيني يتميز بمنافسة سعرية شرسة وهوامش ربح ضيقة، خصوصاً لدى شركات السيارات الناشئة، فإن أي تكلفة إضافية تؤثر مباشرة على استراتيجية التسعير. لكن بالمقابل، الامتثال المبكر قد يتحول إلى ميزة تنافسية:
الشركات التي تتكيف بسرعة ستتجنب تعطيل الإنتاج لاحقاً.
ماذا عن بقية العالم؟
حتى الآن، لم تصدر جهات مثل National Highway Traffic Safety Administration في الولايات المتحدة أو الهيئات الأوروبية لوائح مشابهة صريحة تحظر "Yoke". لكن التاريخ التنظيمي في صناعة السيارات يوضح شيئاً مهماً، كثيراً ما تبدأ التشديدات في سوق كبرى، ثم تمتد تدريجياً إلى أسواق أخرى إذا ثبتت جدواها في تقليل المخاطر.
دي توماسو P900 بمحرك V12 طبيعي.. استثمار أم مغامرة بـ3 ملايين دولار؟
بين الحداثة والانضباط
المسألة ليست صراعاً بين القديم والجديد، بل بين الابتكار غير المقيد والابتكار المنظم.
صناعة السيارات، مهما اندفعت نحو المستقبل، تظل محكومة بمعادلة بسيطة: أي عنصر تصميمي يجب أن يثبت أنه لا يضيف خطراً غير ضروري.
قد يكون "Yoke" رمزاً لعصر السيارات الكهربائية، لكن الدائرة التقليدية ليست مجرد إرث بصري، بل نتيجة عقود من التطوير العملي. إذا تم اعتماد التشريع كما هو، فقد لا يكون القرار نهاية للابتكار، بل تذكير بأن المستقبل، حتى في أكثر أسواق العالم ديناميكية، يجب أن يمر عبر بوابة السلامة أولاً.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

