تتحول العملات المشفّرة في تونس تدريجياً من أصل مضاربي إلى بنية مدفوعات موازية تُستخدم لتسوية الدخل عبر الحدود، في ظل قيود مستمرة على حركة العملات الأجنبية تحدّ من اندماج الاقتصاد الرقمي المحلي في منظومة المدفوعات العالمية.
ويكشف هذا التحول فجوة هيكلية بين سياسات الصرف الأجنبي ومتطلبات اقتصاد العمل الحر والخدمات الرقمية، ما دفع المستخدمين إلى تطوير قنوات مالية «غير رسمية» تعمل خارج النظام المصرفي. كما يمثّل هذا المسار إعادة تشكيل لوظيفة نظام المدفوعات في الاقتصاد الرقمي، حيث تتقدم الابتكارات التقنية على الأطر التنظيمية القائمة، وتظهر نماذج تسوية عابرة للحدود تقودها التكنولوجيا والطلب السوقي.
الاقتصاد التونسي ينمو 2.5% في 2025 بدعم الزراعة والخدمات
اقتصاد المدفوعات
يعود الإطار العام لقيود الصرف في تونس إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما اعتمدت الدولة نظاماً يفرض رقابة مشدّدة على حركة رأس المال والعملات الأجنبية.
ورغم تنفيذ إصلاحات جزئية منذ التسعينيات، لا يزال الدينار غير قابل للتحويل الحر، فيما يبقى الوصول إلى العملات الأجنبية للمعاملات الرقمية اليومية محدوداً، وهو ما أشارت إليه دراسات حول إصلاح الصرف التي رأت أن تحرير الحساب الرأسمالي لا يزال يسير بوتيرة حذرة بسبب مخاوف الاستقرار المالي وارتفاع الدين العام، وفق تحليل نشرته مؤسسة «فريدريش ناومان» (Friedrich Naumann).
هذا الإطار التنظيمي أوجد اختلالاً واضحاً بين قوة عاملة رقمية متنامية وبين بنية مالية لا توفر قنوات دفع دولية فعّالة، إذ تؤكد دراسة «المدفوعات الدولية من تونس» الصادرة عن مؤسسة «إكسبكتيشن ستيت» (Expectation State) أن القيود المستمرة على تحويل العملات الأجنبية تقلّص جاذبية بيئة الأعمال وتحدّ من قدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات والتكامل مع الاقتصاد العالمي، كما يوضح دليل التجارة الأميركي أن الدينار غير قابل للتحويل بحرية وأن الوصول إلى المدفوعات الدولية يظل محدوداً.
في الوقت نفسه، تبرز أهمية تدفقات النقد الأجنبي للاقتصاد التونسي بشكل متزايد. فقد ناقشت «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا» (UNECA) في 2025 توقعات بارتفاع تحويلات التونسيين في الخارج بنحو 6.4% خلال 2026 لتصل إلى ما يقارب 7.9 مليار دينار، ما يعكس الدور المحوري لتدفقات العملة الأجنبية في دعم الاقتصاد.
عملات رقمية وأوراق نقدية من فئة دولار واحد
تحول رقمي وقيود مالية
تتزامن هذه القيود مع تسارع واضح في الرقمنة المالية المحلية، فقد أعلن «البنك المركزي التونسي» أن المدفوعات عبر الهاتف المحمول سجّلت نمواً بنحو 81% خلال 2025، مع تجاوز عدد المحافظ الرقمية 815 ألف محفظة.
يشير هذا النمو إلى توسع الشمول المالي والتحول نحو المدفوعات الرقمية داخل الاقتصاد المحلي. لكن هذا التقدم يجري ضمن منظومة مالية لا تزال تفرض قيوداً قوية على المدفوعات الدولية، ما أوجد ما يمكن وصفه بـ«ازدواجية البنية المالية»: نظام رقمي محلي سريع النمو مقابل نظام مدفوعات دولية محدود.
في هذه المساحة الفاصلة، ظهرت العملات المشفّرة كحل عملي لتسوية المدفوعات العابرة للحدود، خصوصاً في اقتصاد العمل الحر والخدمات الرقمية.
تفيد تقارير إعلامية دولية بأن العملات المشفّرة في تونس لم تنتشر بوصفها أداة استثمار بقدر ما أصبحت وسيلة عملية لتجاوز القيود على المدفوعات، حيث وصفت الظاهرة بأنها «بنية تحتية مالية بديلة» نشأت لسد فجوات النظام التقليدي.
ويغلب استخدام العملات المستقرة المرتبطة بالدولار، مثل «تيثر» (USDT)، بسبب استقرار قيمتها مقارنة بالأصول الرقمية عالية التقلب. ويعبّر ذلك عن استخدام انتقائي قائم على الضرورة الاقتصادية، وليس تبنياً واسعاً للعملات المشفّرة.
منظومة تداول خارج القطاع المصرفي
في غياب إطار قانوني واضح للعملات المشفّرة في تونس، انتقلت الأنشطة إلى منطقة رمادية تنظيمياً، إذ حذرت السلطات المالية مراراً من استخدامها ضمن قوانين الصرف والبنوك القائمة، وهو ما دفع النشاط إلى شبكات تداول غير رسمية.
تعتمد هذه الشبكات على «التداول خارج البورصة» (OTC)، حيث يعمل الأفراد كـ«مزودي سيولة بشريين». وتدار العمليات غالباً عبر مجموعات «تيليغرام» (Telegram) التي تنشر أسعار البيع والشراء طوال اليوم، متتبعة الأسعار العالمية للعملات المشفّرة، وفي الوقت نفسه عاكسة القيمة غير الرسمية للدينار.
تبدأ المعاملات عادة برسالة، تليها تحويلات مصرفية محلية أو إيداعات نقدية أو لقاءات مباشرة، قبل الإفراج عن العملات الرقمية. وبذلك تتشكل قناة تسوية مالية موازية تربط الاقتصاد المحلي بالأسواق العالمية خارج النظام المصرفي.
الفوترة الإلكترونية.. رهان حكومي لتعزيز الحصيلة الضريبية في تونس
اقتصاد الثقة بديلاً عن الإطار التنظيمي
في غياب الأطر القانونية، نشأ ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد الثقة»، حيث تُبنى السمعة عبر سجل المعاملات الرقمية ولقطات الشاشة التي تُستخدم كدليل على نجاح الصفقات. وتؤدي المجتمعات الرقمية دوراً شبه تنظيمي عبر إدارة النزاعات وحظر الجهات غير الموثوقة.
لكن هذه البنية تحمل مخاطر مرتفعة، فشفافية «البلوكشين» تجعل المعاملات قابلة للتتبع عبر تحليل الأنماط وربط المحافظ، ما يتسبب بمخاطر قانونية وتشغيلية في بيئة تنظيمية غير واضحة. كما أن اللقاءات المباشرة والتعاملات غير الرسمية تزيد المخاطر على النساء والمهاجرين والمستخدمين الجدد.
وقد دفع ذلك المستخدمين إلى تبني ممارسات أمن تشغيلي مثل تبديل المحافظ الرقمية وتقليص مدة الاحتفاظ بالأصول الرقمية عبر تحويلها سريعاً إلى نقد لتقليل التعرض للمخاطر.
مؤشرات متباينة في الاستثمار والنمو
يتزامن هذا التحول مع مؤشرات اقتصادية متباينة. فقد أظهرت بيانات منصة «فايننشال أفريك» (Financial Afrik) أن الاستثمارات في تونس بلغت نحو 2.7 مليار دولار في 2025 بزيادة 39%، مع نمو قوي في قطاعات الخدمات والطاقة المتجددة. ورغم هذا التحسن، لا تزال القيود على حركة رأس المال قائمة، ما يخلق فجوة بين تدفقات الاستثمار الرسمية وقنوات المدفوعات الفردية العابرة للحدود.
وتكشف هذه الديناميكية تناقضاً في السياسات الاقتصادية. فمن جهة، تدعم الدولة التحول الرقمي والشمول المالي والمدفوعات الإلكترونية، ومن جهة أخرى، تستمر القيود على حركة رأس المال في الحد من المشاركة في الاقتصاد الرقمي العالمي.
في هذه الفجوة، لا تعمل العملات المشفّرة كبديل للنظام المالي، بل كآلية تسوية موازية نشأت لتعويض قصور البنية الرسمية للمدفوعات الدولية.
ومع استمرار توسع اقتصاد العمل الحر والخدمات الرقمية، قد تتحول هذه القنوات غير الرسمية إلى مؤشر مبكر على الحاجة إلى إصلاحات أوسع في سياسات الصرف والبنية التحتية للمدفوعات الدولية، إذ تشير التجربة التونسية إلى أن الابتكار المالي قد يسبق الإصلاح التنظيمي، لكنه يسلّط الضوء على ضرورة تحديث الأطر القانونية بما يتماشى مع الاقتصاد الرقمي العالمي.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

