مكوّن غير متوقَّع يعزّز القيمة الغذائية للخبز

في وقتٍ تتسارع فيه وتيرة البحث عن غذاءٍ أكثر توازنًا وأعلى جودة، لم يعد الخبز ذلك المكوّن اليومي البسيط على موائدنا مجرد مصدر للنشويات والطاقة، بل أصبح ساحة مفتوحة للابتكار الغذائي؛ فالمستهلك العربي، كغيره حول العالم، بات أكثر وعيًا بما يتناوله، وأكثر حرصًا على اختيار منتجات تمنحه قيمة غذائية حقيقية دون أن يتخلى عن الطعم أو القوام أو سهولة الاستخدام.

وفي خضم هذا التوجه نحو بدائل صحية تتجاوز الاعتماد الكامل على القمح التقليدي، يتجه العلماء إلى استكشاف مكونات غير مألوفة قد تُحدث فرقًا حقيقيًا. أحد أبرز هذه المكونات هو طحين بذور عباد الشمس منخفض الدهون جزئيًا، وهو منتج ثانوي ناتج عن عملية استخراج زيت عباد الشمس صناعيًا. هذا الطحين، الذي كان يُعد في كثير من الأحيان مادة فائضة منخفضة القيمة، يكشف اليوم عن إمكانات غذائية لافتة قد تعيد رسم صورة الرغيف اليومي.

الدراسة التي قادها عالم الأحياء ليوناردو مينديز دي سوزا ميسكيتا من معهد علوم الحياة بجامعة ساو باولو في البرازيل، ونُشرت في مجلة ACS Food Science Technology، هدفت إلى استكشاف كيفية إعادة توظيف هذا المنتج الثانوي بما يعزز قيمته ويخدم الصحة العامة في آنٍ واحد.

يقول ميسكيتا: "هدفنا هو تحسين إعادة استخدام طحين بذور عباد الشمس نظرًا لاحتوائه العالي على البروتين وحمض الكلوروجينيك".

تجربة الاستبدال في وصفات الخبز اعتمد الباحثون منهجًا عمليًا مباشرًا: استبدال جزء من طحين القمح في وصفات الخبز بنسب تراوحت بين 10% و60% من طحين بذور عباد الشمس. بعد ذلك، جرى تقييم كل وصفة من حيث تركيبها الكيميائي، وسلوك العجين أثناء التحضير، وخصائص الرغيف النهائي.

كما شملت التحليلات دراسة الخصائص الريولوجية للعجين أي كيفية تشكّله واستجابته للقوى المختلفة إضافة إلى تقييم الصفات الفيزيائية للرغيف مثل الحجم، والملمس، والبنية الداخلية.

ويوضح ميسكيتا: "يحتوي طحين بذور عباد الشمس على نسبة بروتين مرتفعة جدًا تتراوح بين 40% و66%، إلى جانب الألياف الغذائية، والحديد، والكالسيوم، ومستويات عالية من حمض الكلوروجينيك، وهو مركب فينولي معروف بخصائصه المضادة للأكسدة والالتهابات، وبقدرته على المساعدة في خفض مستويات السكر في الدم. إعادة استخدام هذا المنتج الثانوي لا تضيف قيمة غذائية للخبز فحسب، بل تقلل أيضًا من الأثر البيئي لصناعة زيت عباد الشمس. فضلًا عن أن هذا الطحين مادة خام منخفضة التكلفة تُباع غالبًا لتجنب التخلص منها كنفايات".

قفزة في البروتين ومضادات الأكسدة أظهرت النتائج تحسنًا غذائيًا واضحًا. فالخبز المُدعّم بطحين بذور عباد الشمس احتوى على نسب أعلى بكثير من البروتين والألياف مقارنة بالخبز التقليدي. عند أعلى نسبة استبدال، بلغ محتوى البروتين 27.16%، مقابل 8.27% فقط في الخبز المصنوع بالكامل من القمح.

كما ارتفعت مستويات مضادات الأكسدة طرديًا مع زيادة نسبة الطحين المضاف. وقد قاس الباحثون نشاط مضادات الأكسدة باستخدام مركب Trolox ، وهو نظير قابل للذوبان في الماء لفيتامين E يُستخدم معيارًا في الدراسات المخبرية. وأظهرت النتائج أن الخبز المدعّم سجّل قيمًا أعلى بكثير مقارنة بالخبز التقليدي.

ويضيف ميسكيتا: "تؤكد النتائج قدرة طحين بذور عباد الشمس على تعزيز الصحة من خلال تقليل الإجهاد التأكسدي. كما لاحظنا نشاطًا مثبطًا ملحوظًا ضد إنزيم -amylase بنسبة 92.81% وضد إنزيم pancreatic lipase بنسبة 25.6%، ما يشير إلى أن الخبز المحتوي على هذا الطحين قد يسهم في تعديل هضم النشويات والدهون".

إنتاج أنظف ومعالجة خالية من المذيبات من الجوانب المهمة في هذه الدراسة طريقة إنتاج زيت عباد الشمس ذاته. إذ إن الاعتماد على الضغط الصناعي بدلًا من المذيبات الكيميائية يعني أن الطحين المتبقي يكون خاليًا من ملوثات المعالجة الكيميائية، باستثناء ما قد يرتبط ببقايا العمليات الزراعية المعتادة. وهذا يعزز من سلامة استخدامه غذائيًا ويمنحه ميزة إضافية من ناحية النقاء.

رغم الفوائد الصحية الواضحة، لم تخلُ التجربة من تحديات تقنية. فزيادة نسبة طحين بذور عباد الشمس إلى أكثر من 20% أثّرت في قوام الخبز؛ إذ أصبح الرغيف أكثر كثافة وصلابة، مع انخفاض في الحجم وتغير في البنية الهوائية الداخلية، ما جعله أقل ليونة مقارنة بالخبز التقليدي.

لكن الباحثين وجدوا حلًا واعدًا يتمثل في استخدام المستخلص المائي من الطحين (SFE). فقد ساعد هذا المستخلص في الحفاظ على بنية الخبز وقوامه ليقترب بدرجة كبيرة من خصائص الرغيف التقليدي، مع الاحتفاظ بالمكاسب الغذائية.

ويُنتج هذا المستخلص ببساطة عبر إذابة الطحين في الماء ثم تصفيته، دون الحاجة إلى أي معالجة كيميائية أو فيزيائية إضافية. ويخطط الفريق البحثي مستقبلاً لدراسة إمكانية استبدال الطحين كليًا بهذا المستخلص أو مزجه بنسب مختلفة للوصول إلى أفضل صيغة قابلة للتطبيق تجاريًا.

من منتج ثانوي إلى ركيزة في الاقتصاد الدائري تتجاوز أهمية هذه النتائج حدود تحسين رغيف الخبز، لتدخل في إطار أوسع يتعلق بالاستدامة وإدارة الموارد. فإعادة توظيف المنتجات الثانوية الصناعية تمثل خطوة عملية نحو تعزيز مفهوم الاقتصاد الدائري، القائم على إطالة عمر الموارد وتعظيم قيمتها وتقليل الهدر.

ويؤكد الباحثون: "تحويل النفايات إلى منتجات استراتيجية يُعد عنصرًا أساسيًا في تعزيز الاقتصاد الدائري وتقليل الفاقد. طحين بذور عباد الشمس منخفض الدهون ليس مجرد مادة خام منخفضة التكلفة، بل مكوّن يسهم في دعم صحة الإنسان والاستدامة البيئية، محققًا بذلك الأبعاد الثلاثة للاقتصاد الدائري: الاقتصادي، والاجتماعي، والبيئي".

بهذا المعنى، يتحول ما كان يُنظر إليه كمخلّف صناعي إلى مكوّن غذائي وظيفي قادر على تعزيز القيمة الغذائية لأحد أكثر الأطعمة استهلاكًا في العالم العربي. إنها خطوة علمية تحمل في طياتها وعدًا مزدوجًا: غذاء أكثر فائدة، وصناعة أكثر مسؤولية.


هذا المحتوى مقدم من العلم

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من العلم

منذ ساعة
موقع سائح منذ 23 ساعة
مجلة نقطة العلمية منذ 7 ساعات
موقع سائح منذ 12 ساعة
سي ان ان بالعربية - سياحة منذ 5 ساعات
مجلة نقطة العلمية منذ 18 ساعة
موقع سفاري منذ 16 ساعة
مجلة نقطة العلمية منذ 22 ساعة
موقع سائح منذ ساعة