من البهجة إلى شرعنة الكآبة.. مَن المستفيد؟

مع دخول شهر رمضان، يعود السؤال القديم المتجدّد: هل الصوم موسم تضييق أم موسم توسيع؟ هل هو شهر عبوسٍ وحرمان، أم شهر بهجة روحية وطمأنينة عميقة؟

حضرة النبي، صلى الله عليه وسلم، حسم المعنى منذ اللحظة الأولى، حين قال: «إذا جاء رمضان فُتِّحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين»، في قراءتي لمعنى حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأنا أرى أنه ليس من المعقول أن تقف العقول في فهمها للنص على أن المقصود هو جنة الآخرة ونارها فقط، بل هو بُشرى لفتح الجنان على الدنيا، وكأنه صلى الله عليه وسلم يُعلن عن مناخ وجودي جديد: انفتاح، تيسير، تخفيف، أفق رحمة.

لكن ما نرصده في سياق علم اجتماع التدين أن المزاج الديني العام في بعض البيئات انتقل تدريجياً من تديّن البهجة إلى ما يمكن تسميته بدقة: شرعنة الكآبة.

صار الحزن يُقدَّم بوصفه دليل وعي، والقلق علامة يقظة، والفرح محل ريبة، وكأن السكينة نفسها تحتاج إلى تبرير.

السؤال هنا ليس للاستنكار، بل للتحليل: كيف حدث هذا التحوّل؟ ومَن المستفيد من إعادة تعريف الإيمان بوصفه عبئاً نفسياً؟

أولاً: الخلل في فهم الزهد.. بين الخشية والعبوس

القرآن حين تحدّث عن عباده الصالحين قال: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾[ يونس: 58]، لم يقل فليبكوا، ولا فليحزنوا، بل فليفرحوا؛ إذاً الفرح هنا ليس سطحية، بل إدراك فضل الله.

وقال تعالي في وصف أهل الجنة: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾[ آل عمران: 170].

بل إن حضرة النبي، صلي الله عليه وسلم، كان بشوش الوجه، طلق المحيّا، يمازح أهله، ويُدخِل السرور على أصحابه، حتي قالوا:

«كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أحسنَ النَّاسِ خُلُقاً، سَهْلاً ليِّناً في مُعاملةِ النَّاسِ، يَنبسِطُ إليهم، ويَضحَكُ تبسُّماً معَهم، وفي هذا الحديثِ يقولُ عبدُاللهِ بنُ الحارثِ بنِ جَزْءٍ، رضِيَ اللهُ عنه: «ما رأَيْتُ أحداً أكثرَ تبسُّماً مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم».

فمن أين جاء هذا الانزياح الذي جعل العبوس أقرب إلى صورة المتدين من الابتسام؟

وكيف صار بعض الناس يقيس عمق الإيمان بمدى القلق الدائم الذي يعيشه؟

ثانياً: شرعنة الكآبة.. آلية نفسية ومقاومة اجتماعية

الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن المجتمع المصري، رغم ما يمرّ به من تحديات وضغوط، ما زال قائماً بقيمه العميقة، وما زالت فيه ثقافة البهجة مترسّخة كجزء من بنيته الحضارية. البهجة في مصر ليست ترفاً، وليست سطحية، وليست انفصالاً عن الواقع؛ بل هي آلية مقاومة حضارية، ووسيلة توازن نفسي، وصيغة إيمانية للتعامل مع الحياة.

المصري بطبيعته يمزج بين التدين والابتسامة، بين الصبر والنكتة، بين الألم والرجاء، وهذه ليست عاطفة عابرة، بل وعي تاريخي تشكّل عبر قرون؛ فالمجتمع الذي استطاع أن يحافظ على تماسكه عبر التحولات الكبرى، لم يفعل ذلك إلا لأنه امتلك «ثقافة حياة»، لا ثقافة انطفاء.

غير أن هذه الطاقة الحضارية لم تسلم من محاولات الاقتحام والهدم، وأخطر أدوات هذا الاقتحام لم تكن السلاح ولا القانون، بل اللغة!

فبعض الخطابات الدينية المتشددة بدأت تعيد تشكيل المفردات، وتحمّل الكلمات معاني جديدة تُخرجها من سياقها الطبيعي. ظهرت لغة «التبديع»، و«التفسيق»، و«التشكيك في النيات»، بوصفها أدوات ضبط اجتماعي، لا أدوات إصلاح، الكلمة لم تعد جسراً للفهم، بل تحوّلت إلى سلاح للفرز، وهنا يحدث التحول الخطير: حين تُختطف اللغة، تُختطف الرؤية.

حين يُوصَف الفرح بأنه «غفلة»، والاحتفال بأنه «تمييع»، والابتسامة بأنها «تساهل»، فإننا لا نناقش سلوكاً بعينه، بل نعيد تعريف التدين نفسه، يتم استبدال منظومة القيم المتوازنة بمنظومة شديدة الحساسية للظاهر، غافلة عن المقاصد، وهنا يتسلل خطاب يقدّم نفسه حارساً للدين، بينما هو في حقيقته يعيد صياغته وفق رؤية ضيقة تُقصي الحياة من داخله.

ومن هنا نشأت ظاهرة يمكن تسميتها بـ«شرعنة الكآبة» وهي ليست مجرد حالة نفسية، بل خطاب يُضفي على العبوس قيمة دينية، ويجعل التجهم علامة ورع، ويُصوّر الحزن الدائم باعتباره دليل خشية.

هذا التحول يُحدث انقلاباً عميقاً في المعنى؛ إذ يتحول الدين من رسالة رحمة إلى حالة توتر، ومن مشروع عمران إلى مزاج سوداوي دائم.

والتحليل الدقيق لهذه الظاهرة يكشف أنها تقوم على ثلاث آليات:

أولاً: اختزال التدين في صورة خارجية جامدة، يُقاس فيها الصلاح بملامح الوجه لا بحال القلب.

ثانياً: الخلط بين الوقار والكآبة، وبين الخشوع والانقباض، فيُقدَّم التجهم باعتباره دليل جدية، بينما يُتهم المرح بأنه قلة وقار.

ثالثاً: تغذية الشعور بالمظلومية والتهديد الدائم، بحيث يصبح الخطاب الديني قائماً على استدعاء الخطر لا استدعاء الأمل.

وهذا كلّه يتعارض بوضوح مع جوهر الدين ومنهج النبوة. إن تحويل العبوس إلى مظهر للتدين هو في حقيقته إفقار للدين، لا تعظيم له؛ لأنه يُجرّد.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن المصرية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن المصرية

منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ ساعتين
منذ 7 ساعات
منذ 8 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 10 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 3 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 6 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 12 ساعة
مصراوي منذ 12 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 4 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 12 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 11 ساعة