يُروى أنَّ رجلًا اعترض طريق ابن الجوزي وهو ذاهب إلى صلاة الجمعة ليخطب بجماعته، فقال له: لماذا خصَّ اللهُ الفلق في قوله «قل أعوذ برب الفلق»؟، فبُهت ابنُ الجوزي مع أنَّه حاضر البديهة وبليغ القريحة، واضطرَّ لتغيير الخُطبة لتكون محاولة للإجابة عن سؤالِ الرجل، إذ لمَّا صعد الشيخُ المنبر ابتدأ بجملته الغريبة: «شهوات الدنيا أنموذج»، كررها ثلاثا ثم شرع في خطبته. اعتاد الناسُ على أن يتّجه ابنُ الجوزي في خطبته إلى الوعظ المباشر، لكنَّه هنا شرّق وغرّب وأطنب في تأويل آية «قل أعوذ برب الفلق»، قال: إنَّ الفلق المقصود هو الصبح، أخذًا من قول: «فالق الإصباح»، وخُصَّ الفلق بالذكر؛ لأنَّه أنموذج من صبحِ يوم القيامة. هذه الجملة الأخيرة هي مربطُ الفرس في الإجابة عن سؤال الرجل وعن معنى جملته الغريبة في أولِ الخطبة، لكنَّ الرجل نفسَه ذهب إلى بيتِ ابن الجوزي ليسأله: هل الأنموذج الذي ذكرته في الخطبة حقيقي؟ ولعلّه يقصد هل الصبح الذي نحسّه هو نموذج حقيقي لصبح يوم القيامة؟ فبُهت الشيخُ مرة أخرى، وكأنَّ الله أرسل هذا الرجل ليُعلّم الشيخَ ما لم يعلم، لهذا ظلَّ الشيخ ساهرًا ليلتَه كلَّها يُفكّر بالسؤال، حتى اهتدى إلى جملةٍ قيّدها في دفتره، ولمَّا جاءت الجمعةُ التالية صعد المنبر وقال: «شهوات الدنيا أنموذج، والأنموذج يُعرض ولا يُقبض»، كررها ثلاثًا ثم شَرع في خطبته عن البيان وأهميته لفهم ما بعد الموت، منهيًا حديثه بقول: «الموت مُقَاتل يَقصد المَقَاتل فما ينفعك أن تُقاتل، وقد قال أبو محسد: نصيبك في حياتك من حبيب/نصيبك في منامك من خيال. أقم الصلاة». فيما يبدو أنَّ خطبةَ ابن الجوزي كانت لحظةً مفصلية في ضبط مفهوم الأنموذج ليكون الوعظ به علمًا قائمًا بذاته، فماذا عنى الشيخ في كون الأنموذج يُعرض ولا يُقبض؟
سأعود قليلًا إلى لحظةٍ عتيقة سأل فيها الإنسانُ سؤالًا غريبًا: إذا كانت الأشياءُ تتغيّر فكيف نفهم العالم؟ هذا السؤال جعل الإنسان يبحث عن (أنموذج) ثابتٍ يقيس به الواقع المتغير، كمثل أن يُجعل للعدالة أنموذجًا يُقاس.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
