مع اقتراب شهر رمضان في العالمين العربي والإسلامي، تشهد السوق ارتفاعاً في الطلب، ما يعطي دفعة لأسواق وقطاعات عديدة، خاصة مع قرب حلول عيد الفطر بعد الشهر الفضيل.
ويشير خبراء أسواق واقتصاد من 4 دول عربية، تحدثوا لـ«إرم بزنس»، إلى أن هذا الطلب الموسمي عادةً ما يؤدي إلى تحرك الأسعار، فيما يستعد المواطنون وفق قدراتهم المالية، حيث تلجأ بعض الشرائح إلى ترشيد الاستهلاك أو الادخار المبكر لتلبية احتياجات الشهر الكريم.
من الاكتفاء للتصدير.. موسم ذهبي للفانوس المصري بعوائد رمضانية مليونية
انتعاشة محسوبة
الخبير المالي في «معهد الإصلاح» في بغداد، علاء الفهد، قال إن «الأسواق العربية تشهد طلباً متزايداً على المواد الغذائية خلال شهر رمضان، وقبيل حلوله، وانتعاشاً في الأسواق، ورواجاً لبعض السلع التي تشكل المواد الأساسية للمائدة العربية، وتشهد معه الأسواق نوعاً من الارتفاع بعض الشيء في الأسعار، مما يكون له تأثير مباشر».
وفيما يتعلق بالشأن العراقي، أوضح أن «هناك توفيراً للمواد الغذائية التي تشهد طلباً متزايداً في موسم شهر رمضان، وربما تشهد الأسواق شيئاً طفيفاً من الارتفاع خاصة أن هناك ثباتاً على نسب التضخم بحسب التقارير الدولية التي لم تتجاوز 1%، وهذا دليل على نجاح السياسة النقدية والسياسة الحكومية بتوفير السلع الأساسية».
وكانت وزارة التجارة العراقية أعلنت عن توجه لتخفيض أسعار المواد الغذائية بنسبة 20% خلال شهر رمضان، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الرسمية للبلاد قبل أيام.
وعلى مستوى دخل الأسرة، قال علاء الفهد: «هذا الاختلاف في مجال الطلب ينعكس أيضاً على الدخل، حيث يلاحظ وجود ارتفاع في المصروفات على الرغم من تقليل من كونه شهراً لتقليل الاستهلاك فبدلاً من 3 وجبات ستكون هناك وجبتان (السحور والإفطار)، إلا أن الواقع يشير إلى أن الاستهلاك يرتفع نتيجة للموائد الخاصة، والولائم، وأصناف الحلويات، وغيرها».
ونوه الفهد إلى أن «هذا الطلب يكون له تأثير على مستوى دخل الأسرة المخصص للغذاء، حيث يكون بنسبة أعلى»، لافتاً إلى ميزة اقتصادية مهمة بهذا الشهر تتمثل في أن «هذا الشهر الفضيل هو جزء من التكافل والتعاون في مسألة مساعدة العائلات المتعففة والمحتاجة، والتقليل من نسب الفقر، وهذا له دور اقتصادي كبير».
صورة من القاهرة القديمة في 22 مارس 2025، تظهر أجواء رمضانية حيث يعزف موسيقي على الطبل ويدور درويش أمام مطعم ينتظر فيه الناس الإفطار، مقابل باب الفتوح التاريخي.
زيادة طلب
عضو مجلس إدارة الشعبة العامة للمواد الغذائية باتحاد الغرف التجارية في مصر، سابقاً، أشرف حسني، يقر في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «هناك زيادة في معدلات الاستهلاك في مصر خلال الشهر الفضيل ترتبط بشكل وثيق بالعادات والتقاليد الموروثة للشعب المصري، نتيجة للعزائم والتجمعات العائلية وموائد الإفطار، مما يؤدي إلى زيادة الطلب، وتنشيط حركة البيع والشراء في الأسواق».
وأشار حسني إلى أن «التجار اعتادوا الاستعداد لموسم رمضان قبل حلوله بشهرين أو 3، عبر توفير السلع، وزيادة المعروض لمواكبة الطلب المتوقع، مما يخلق حالة من الانتعاشة التجارية والمنافسة التي تصب في مصلحة المستهلك».
ويقر بالعبء المالي على المواطنين، الذي «يدفعهم نحو ترشيد الاستهلاك، سواء بتقليل الكميات المشتراة أو الاستغناء عن بعض الأصناف، وهو أمر يتفاوت من أسرة لأخرى بحسب قدرتها المالية».
ادخار مسبق
ووقفاً لـ«حسني»، فإن «بعض الأسر تتجه إلى الادخار المسبق عبر الجمعيات المالية كسلوك اقتصادي مستمر ومتكرر يتبعه المواطنون لادخار الأموال لتغطية نفقات شهر رمضان واحتياجات العيد، وسط الأعباء المالية التي يتحملونها طوال العام»، منوهاً إلى أن ميزانية الأسرة المصرية في هذا الشهر في حدها الأدنى تقدر بالآلاف من الجنيهات، حيث ينفق المواطن في هذا الشهر الواحد ما يعادل نفقات عدة أشهر عادية.
وأعلنت الحكومة المصرية، بتوجيهات رئاسية، عن منحة نقدية لمعاونة المصريين على المعيشة خلال شهر رمضان، وهي منحة خُصصت لـ15 مليون أسرة من الأكثر احتياجاً، بقيمة 40 مليار جنيه (نحو 854 مليون دولار)، بخلاف ضخها السلع الأساسية بكميات كبيرة من خلال التوسع في والمنافذ الاستهلاكية وأسواق اليوم الواحد، إلى جانب معارض أهلا رمضان، وسط تراجع معدل التضخم إلى 11.9% في يناير الماضي مقارنة بـ12.5% في ديسمبر 2025.
وهناك تقديرات غير رسمية، تشير إلى أن معدلات الإنفاق الغذائي خلال شهر رمضان بمصر ترتفع بنسبة تتراوح بين 25% و35% مقارنة بمتوسط الاستهلاك في باقي شهور العام.
رمضان 2026.. كيف يؤثر على سوق الرفاهية العالمية؟
سلوك اقتصادي استثنائي
فيما يعتقد المحاضر في العلوم الاقتصادية بجامعة ابن خلدون والخبير المالي، عبد الرحمن عية، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن شهر رمضان يشهد «سلوكاً استهلاكياً استثنائياً»، موضحاً أن «المستهلك يتوقع إمكانية حدوث ندرة بسبب ارتفاع الطلب، فيقبل على العمليات الشرائية، وبالتالي فهو سلوك استثنائي مدفوع بأسباب التحوط».
وأكد أن «لهذا السلوك آثاراً سلبية أكثر منها إيجابية، حيث تتمثل الآثار السلبية في أنها تؤدي إلى الارتفاع في الأسعار، التي يصعب كثيراً عودتها إلى الاستقرار مع تضخم يؤدي إلى تدهور القدرة الشرائية للأجور».
وفيما يتعلق بالأثر الإيجابي، أوضح عيه أنه «يتواجد على مستوى جزئي يتمثل في أن بعض المنتجين والتجار يمكنهم تحقيق مداخيل استثنائية تزيد من مردودهم السنوي، بخلاف أنه بطريقة غير مباشرة، قد تكون هناك استفادة للجهة المكلفة بالجباية الضريبية، حال إذا كانت هذه الفئة تصرح بالمداخيل الحقيقية، وهو شيء صعب في البلاد العربية».
وفي 7 فبراير الجاري، خصصت وزيرة التضامن الوطني في الجزائر غلافاً مالياً قدره 1.47 مليار دينار (نحو 11.4 مليون دولار) للمساهمة في منحة رمضان، ضمن مقاربة حكومية تستهدف حماية الفئات المستحقة، وتخفيف الضغط الاجتماعي، بالتوازي مع جهود توجيه السلوك الاستهلاكي نحو الاعتدال ونبذ الإسراف تضمنت إطلاق وزارة التجارة الداخلية. 560 سوقاً عبر 69 ولاية، مع رسالة «رمضان شهر فضيل لا تجعله سباقاً في التبذير».
أجواء تحضيرات رمضان في العاصمة الجزائرية، 17 فبراير 2026.
تنشيط اقتصادي
ويرى الخبير الاقتصادي المغربي، رشيد الساري، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «ملامح الظاهرة الاقتصادية في شهر رمضان تمثل قاسماً مشتركاً بين جميع الدول العربية، يتمثل في ارتفاع معدلات الطلب على المواد الغذائية والسلع الأساسية بشكل ملحوظ ومثير، وهذا قد يدفع البعض في أحيان كثيرة لاستغلال هذا الوضع، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وهو ما يؤثر بدوره على التضخم».
وفيما يخص الجانب الإيجابي، شدد الساري على أن «هذا الموسم الاقتصادي يصحبه تنشيط الأسواق المحلية ودعم التكافل الاجتماعي عبر المبادرات الخيرية وتوزيع المواد الغذائية، وتحريك سلاسل الإمداد، ويدفع الطلب المرتفع الحكومات إلى تحسين آلية التموين والتوزيع، وهو ما قد يترك آثاراً إيجابية على المدى المتوسط».
فاتورة باهظة وحلول
أما على صعيد السلبيات، لفت الساري إلى أن «العالم العربي يشهد شهراً ترتفع فيه فاتورة باهظة للأسر، حيث يؤدي ارتفاع الاستهلاك إلى زيادة الإنفاق الأسري بشكل يفوق القدرة الشرائية، خاصة في ظل التضخم، بجانب ظاهرة التبذير الغذائي مع إهدار نسب كبيرة من الطعام يومياً في رمضان بجميع المجتمعات العربية، وهو ما يمثل خسارة اقتصادية وبيئية لأن مصير هذا الطعام المهدر هو القمامة، مما يؤثر سلباً على البيئة».
وأضاف أن «من بين السلبيات أيضاً الضغط على الميزانية الوطنية، حيث تضطر الحكومة أحياناً إلى تقديم دعم إضافي للمواد الأساسية، مما يثقل كاهل المالية العامة، وقد يؤدي في بعض الأحيان إلى عجز الميزانية نتيجة استيراد مجموعة من المواد الأساسية».
وفيما يتعلق بالحالة المغربية، أضاف الساري: «المغرب يشهد بدوره ارتفاعاً كبيراً في الطلب على المواد الغذائية، خاصة الحبوب واللحوم والتمور مع تدخل للدولة للدولة من أجل ضبط السوق لتكون الأسعار في المتناول مع أن التحدي يبقى في مواجهة المضاربة، وارتفاع الأسعار في ظل وجود تضامن وتكافل يلعب فيهما المجتمع المدني دوراً لتخفيف العبء عن الأسر، لكن ذلك ليس كافياً لوحده، ويجب توافر حلول ناجعة للحد من ارتفاع الأسعار».
وخلص الساري إلى أن «أسواق رمضان عربياً تمثل فرصة اقتصادية للتجار والدول، لكنها تشكل عبئاً على الأسر العربية بسبب التضخم والتبذير، وأن الحل يكمن في موازاة الطقوس مع العقلانية الاقتصادية عبر سياسات ضبط السوق، وتعزيز الادخار الجماعي، وتغيير السلوك الاستهلاكي نحو الاستدامة».
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس


