لا يزال الدولار في الأسواق الموازية، يشكل تهديداً للعملة الليبية الدينار، ولا يزال اقتصاد البلاد تحت اختبار قرار حكومي بحظر تسعير السلع وفقاً لسعر الدولار بالسوق السوداء، وذلك بعد نحو شهر من خفض المصرف المركزي الليبي، العملة الوطنية الدينار، للمرة الثانية خلال عام.
وفي حديث لـ«إرم بزنس»، يعتقد خبير اقتصادي ليبي، أن القرار الصادر قبل أيام سيكون تأثيره محدوداً على السوق الموازية، خاصة أنه صادر عن حكومة الوحدة الوطنية في الغرب وغير ملزم لنظيرتها في الشرق في ظل الانقسام السياسي والمؤسسي، فيما يرى مسؤول رقابي ليبي أن القرار يجب أن يسبقه ضبط السوق ومعالجة شاملة تتجاوز الأداة الإدارية إلى إصلاح مؤسسي متكامل.
واقترح المسؤول في حديثه لـ«إرم بزنس»، 4 مقترحات لتطويق السوق السوداء، تتمثل في تمكين مجلس المنافسة ومنع الاحتكار من ممارسة اختصاصاته باستقلالية كاملة، وتوفير الموارد البشرية والفنية وأدوات التحقيق والرقابة اللازمة أو إنشاء قوة إنفاذ قانونية متخصصة لضبط المخالفات وضمان الشفافية في إدارة النقد الأجنبي وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وضبط الإنفاق العام.
شركات عالمية تورد الوقود إلى ليبيا مع تراجع الإمدادات الروسية
تطويق محدود
ويعتقد رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية المحلل الاقتصادي، خالد بوزعكوك، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «لعملية تسعير السلع وفقاً لسعر الدولار في السوق الموازية تأثيراً خطيراً جداً على الاقتصاد، حيث يؤدي ذلك إلى زيادة معدلات التضخم السلعي، ويساهم بشكل مباشر في غلاء الأسعار على المواطنين، لا سيما مع معدلات الاستهلاك العالية مع حلول شهر رمضان».
وأشار بوزعكوك إلى أنه «على الرغم من إصدار محمد الحويج، وزير الاقتصاد في حكومة الوحدة الوطنية، قراراً (في 5 فبراير) يلزم الشركات الموردة عبر الاعتمادات المستندية للسلع الغذائية والتموينية بالتسعير وفقاً لسعر الدولار المصرفي (الرسمي) المعتمد في الاعتمادات، والذي يتراوح ما بين 6.30 أو 6.40 دينار إلا أن الواقع يشهد خلاف ذلك».
ورصدت الوزارة «تزايد شكاوى المواطنين من تفاوت التسعير ووجود بعض السلع في الأسواق وفق سعر الدولار بالسوق الموازية، على الرغم من توريدها عبر شركات حصلت على اعتمادات مستندية، بسعر الدولار الرسمي، بحسب إعلام ليبي قبل أيام.
وبحث رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة مع محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، آلية فتح الاعتمادات المستندية الخاصة بتوريد السلع الأساسية، بما يضمن توفرها في السوق المحلية والحفاظ على استقرار أسعاره، مؤكدين ضرورة ضمان وقف تدهور العملة الوطنية، بما يحول دون انعكاسات سلبية على القدرة الشرائية للمواطنين واستقرار الأسعار.
عملة ليبية من فئة 20 ديناراً في مدينة غدامس الليبية.
ووفقاً للخبير الاقتصادي اللبيبي، خالد بوزعكوك «يلاحظ أن أغلب السلع التي تم توريدها مؤخراً قد تم تسعيرها وفقاً لسعر السوق الموازية، الذي بلغ 11 ديناراً في تعاملات الصكوك، وقد ساهم هذا الأمر في ارتفاع تكلفة السلة الغذائية على المواطن المتضرر جراء موجة الغلاء المتصاعدة والمتسارعة التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 وبدايات عام 2026».
وأوضح بوزعكوك أن «قرار الحويج يلزم فقط الشركات التي تقع تحت نطاق سلطة حكومة الوحدة الوطنية (غرب البلاد)، بينما يعتبر غير ملزم التنفيذ للجهات والشركات التي تعمل في نطاق الحكومة الليبية برئاسة محمد حماد (في الشرق)».
وأكد أن «هذا القرار لن يكون ذا جدوى حقيقية» مرجعاً ذلك إلى «تنازع الاختصاصات وتضارب القرارات، وضعف الرقابة في ظل حالة الانقسام السياسي، وما يتبعها من انقسام مؤسسي، ساهمت إلى حد كبير في التدهور الاقتصادي، وضعف الدينار أمام الدولار، فضلاً عن عدم الالتزام بالقرارات الصادرة عن الوزارة المعنية بمراقبة الأسعار».
وأشار إلى إلى «إشكالية تواجه بعض الشركات حيث إن هناك شركات تمتلك فروعاً وتوكيلات في المنطقة الغربية، وبالمقابل هناك شركات من المنطقة الغربية لديها موزعون ووكلاء في المنطقة الشرقية، وهذا الوضع يخلق إشكالية تؤدي إلى ملاحظة فارق كبير في تسعير السلع بين المنطقتين، أو بين المناطق التي تعاني من هذا الانقسام السياسي والمؤسسي»، لافتاً إلى أن هذا لن يؤثر بشكل كبير على السوق الموازية رغم خفض الدينار.
وفي 18 يناير الماضي، قرر مصرف ليبيا المركزي، خفض قيمة الدينار بنسبة 14.7% ليصبح سعر صرفه 6.3759 دينار مقابل الدولار، وهذا ثاني تعديل من نوعه للعملة في أقل من عام، عقب تخفيض قيمة العملة بنسبة 13.3% في أبريل 2025، والذي حدد سعر الصرف وقتها عند 5.5677 دينار للدولار، وذلك في أول خفض رسمي منذ عام 2020، عندما حُدِّد السعر رسمياً عند 4.48 دينار للدولار.
أزمة لها أبعاد
وتعليقاً على تلك الخطوة وتداعياتها والحلول، يرى وزير الدولة لشؤون الاقتصاد السابق ورئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار الليبي الحالي، الدكتور سلامة الغويل، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «ضبط السوق الليبية يتطلب معالجة شاملة تتجاوز الأداة الإدارية إلى إصلاح مؤسسي متكامل».
ومن حيث المبدأ، يرى الغويل، أن «القرار يهدف إلى الحد من انتقال تقلبات الدولار الموازي إلى أسعار السلع، وحماية القدرة الشرائية للمواطن، غير أن نجاح هذه الخطوة يبقى مرهوناً بتوافر النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية، وبالتنسيق الفعال مع مصرف ليبيا المركزي لضمان انسياب الاعتمادات المستندية بعدالة وشفافية».
وأكد أن «السوق السوداء لا تنشأ من آلية تسعير فحسب، بل من فجوة بين العرض والطلب على العملة الأجنبية، ومن اختلالات مالية ونقدية أعمق»، لافتاً إلى أن «ضبط السوق لا يمكن أن يتحقق دون تفعيل حقيقي لقوانين المنافسة ومنع الاحتكار، وتشريعات حماية المستهلك».
ليبيا تسعى إلى إعادة تموضعها كممر قاري للطاقة والتجارة
مقترحات
وعن إمكانية أن يمارس ذلك الدور مجلس المنافسة ومنع الاحتكار الليبي، أشار رئيسه الدكتور سلامة الغويل إلى عدة تحديات قائلاً: «للأسف، فإن ضعف الدعم المؤسسي والمالي الممنوح لمجلس المنافسة ومنع الاحتكار يحد من قدرته على أداء دوره، في وقت تشتد فيه الحاجة إلى رقابة فاعلة تمنع التواطؤ السعري والممارسات الاحتكارية والمضاربة غير المشروعة»، لافتاً إلى أن «أي تداخل أو مساس باختصاصات المجلس عبر قرارات تنظيمية أخرى يخلق ازدواجية في المرجعية ويضعف الثقة في البيئة التنظيمية.
وعن مقترحاته، أضاف أن «المرحلة الراهنة تتطلب تمكين مجلس المنافسة ومنع الاحتكار من ممارسة اختصاصاته باستقلالية كاملة، وتوفير الموارد البشرية والفنية وأدوات التحقيق والرقابة اللازمة أو إنشاء أو دعم قوة إنفاذ قانونية متخصصة لضبط المخالفات التجارية، وضمان الشفافية في إدارة النقد الأجنبي وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وضبط الإنفاق العام للحد من الضغوط على سعر الصرف».
ويخلص الغويل إلى أن «استقرار السوق الليبي لن يتحقق بقرار منفرد، بل بمنظومة متكاملة تحترم الاختصاصات القانونية، وتفعّل أدوات الرقابة، وتضمن وحدة السياسة النقدية والتجارية»، مشدداً على أن «قوة الدولة في السوق تقاس بقدرتها على إنفاذ القانون بعدالة وحزم، وببناء بيئة تنافسية عادلة تحمي المستهلك وتدعم الاقتصاد الوطني».
الإنفاق المزدوج
وتأتي هذه التراجعات رغم تحذيرات سابقة، حيث حذر المصرف المركزي في أبريل 2025 من أن ضغط الإنفاق المزدوج المتزايد من الحكومتين خلال عام 2024، والذي بلغ 224 مليار دينار (نحو 46 مليار دولار)، «سيفاقم الوضع المالي والاقتصادي الخطير»، متوقعاً وقتها أن يرتفع الدين العام الليبي إلى 330 مليار دينار بنهاية العام، مقارنة بـ270 مليار دينار.
وفي 19 يناير الماضي، أعلن مصرف ليبيا المركزي، أن استخدامات النقد الأجنبي بلغت 31.1 مليار دولار خلال 2025، بعجز يقارب 9 مليارات دولار، مرجعاً ذلك إلى تراجع الإيرادات النفطية منذ سبتمبر الماضي.
وبلغ إجمالي الإيرادات العامة للدولة (136.8696) مليار دينار وسجل، إجمالي الإنفاق العام (136.8) مليار دينار، خلال 2025، واستحوذ بند المرتبات على الحصة الأكبر من الإنفاق، تليه بنود الدعم والمصروفات التشغيلية والتنموية، وفق بيانات المصرف التي أكدت وجود عجز.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

