كشفت نتائج علمية حديثة أن اكتساب القوة البدنية لا يرتبط بالعضلات وحدها، بل يبدأ من الدماغ. فبدلًا من التركيز التقليدي على زيادة الأوزان أو تحسين القدرة على التنفس، توضح بيانات جديدة أن التغيرات العصبية تسبق التحسن الجسدي وتدفعه.
ووفق دراسة نُشرت في 12 فبراير، راقب باحثون نشاط أدمغة فئران خضعت لتدريبات على أجهزة المشي، ولاحظوا ارتفاعًا ملحوظًا في نشاط خلايا عصبية تقع في الجزء البطني الإنسي من منطقة ما تحت المهاد. وعندما جرى تعطيل هذه الخلايا عقب التمرين، لم تتمكن الحيوانات من تحسين قدرتها على التحمل، ما يشير إلى أن الحفاظ على اللياقة البدنية يعتمد على إشارات صادرة من الدماغ إلى الجسم.
ولا يقتصر أثر التمرين على تحريك العضلات، بل يدفع الجسم إلى التكيف تدريجيًا، حيث تزداد القوة وتتحسن القدرة على التحمل وتصبح أنظمة تنظيم الطاقة أكثر كفاءة. وفي الوقت نفسه، يخضع الدماغ لتغيرات واضحة مع النشاط البدني، كما يوضح عالم الأعصاب ج. نيكولاس بيتلي من جامعة بنسلفانيا، إذ تظهر لدى الفئران النشطة خلايا دماغية جديدة في مناطق مثل الحُصين، إلى جانب تشكل روابط عصبية إضافية. ويشير بيتلي إلى أن التمرين يقوّي القلب والرئتين والعضلات، وكذلك الدماغ.
تحفيز الإشارات العصبية لكن الملاحظة الأبرز تمثلت في حجم النشاط العصبي أثناء التمرين نفسه، حيث سُجل نشاط واسع في الدماغ، وتركز بشكل خاص في منطقة ما تحت المهاد. وتُعرف هذه المنطقة بدورها في التحكم في عمليات الأيض واستخدام الطاقة وتنظيم وظائف حيوية مثل حرارة الجسم والشعور بالجوع والعطش.
ونظراً لأن القدرة على التحمل ترتبط بإدارة الوقود والجهد، افترض الباحثون أن هذه المنطقة لا تكتفي بالاستجابة للتمرين، بل تسهم أيضًا في توجيه تكيف الجسم معه. وأظهرت التجارب أن جلسة تدريب واحدة كفيلة بزيادة تعبير عوامل النمو داخل خلايا محددة في هذه المنطقة، خاصة تلك التي تحمل بروتين SF-1، وهو عنصر أساسي في دمج إشارات هرمونية مثل الأنسولين واللبتين لتنظيم استهلاك الطاقة.
ومع استمرار التدريب لعدة أيام، ازداد عدد الخلايا العصبية المحتوية على SF-1 ونشاطها، كما تطورت لديها زوائد عصبية دقيقة تعزز التواصل بين الخلايا. وبعد أسابيع من الجري المنتظم، تضاعف النشاط العصبي في هذه المنطقة، بالتوازي مع تحسن قدرة الفئران على الجري لمسافات أطول، ما يعكس أن الدماغ نفسه يخضع لعملية تدريب .
وعند تعطيل خلايا SF-1 بشكل انتقائي، تمكنت الفئران من أداء التمارين، لكنها حققت مكاسب أقل في التحمل والسرعة مقارنة بالحيوانات ذات النشاط العصبي الطبيعي. كما أظهرت تجارب التحكم الضوئي بالخلايا العصبية أن إيقاف هذه الإشارات مباشرة بعد التمرين يمنع تطور القدرة على التحمل، في حين أن تعزيزها يؤدي إلى نتائج أفضل.
تطبيق النتائج على البشر يعلّق مارك هارجريفز من جامعة ملبورن بأن دور الدماغ في تنشيط العضلات وتنظيم استجابات القلب والرئتين واستهلاك الطاقة معروف منذ زمن، إلا أن هذه النتائج تضيف بعدًا جديدًا، إذ تُظهر أن خلايا عصبية محددة في الجهاز العصبي المركزي تشارك مباشرة في التكيف مع التمارين المنتظمة. وترى عالمة الأعصاب دايو لين من جامعة نيويورك أن النتائج تكشف وظيفة إضافية لمنطقة ما تحت المهاد، لكنها تؤكد ضرورة الحذر عند إسقاطها على البشر، مشيرة إلى أن الفئران لا تمارس الرياضة بدافع تحسين اللياقة، بل قد يكون جريها مرتبطاً باستجابات ضغط تشبه الهروب من المفترسات.
وفي تجارب موازية، أُتيحت لفئران عجلات جري داخل أقفاصها دون إجبارها على الاستخدام. ومع ذلك، وعندما جرى تعطيل خلايا SF-1 لديها، لم تحقق استفادة تُذكر من زيادة الحركة، ما عزز الفرضية حول دور هذه الخلايا في ترجمة النشاط البدني إلى مكاسب فسيولوجية.
من جانبه، وصف عالم الأعصاب آلان واتس من جامعة جنوب كاليفورنيا النتائج بأنها دقيقة ومهمة، معتبرًا أن الاختلافات الكبيرة بين الفئران والبشر تفرض إجراء تجارب بشرية مباشرة لمعرفة ما إذا كان الدماغ البشري يعمل بالآلية نفسها.
ويؤكد بيتلي أن الخطوة التالية تتمثل في تحديد طبيعة الإشارات والجزيئات التي تتبادلها منطقة ما تحت المهاد مع الجسم أثناء التمرين، وهو ما قد يفتح الباب أمام تطوير علاجات للأشخاص غير القادرين على ممارسة النشاط البدني، مثل المتعافين من السكتات الدماغية، أو للوقاية من ضمور العضلات. ومع ذلك، يشدد على أنه لا يوجد بديل دوائي يعوض الحركة نفسها، موضحًا أن هذه الأبحاث دفعته شخصيًا إلى الالتزام بممارسة التمارين لمدة 300 دقيقة أسبوعيًا، معتبرًا أن هذا المستوى من النشاط يُحدث فرقًا جذريًا في صحة الإنسان.
هذا المحتوى مقدم من العلم
