الأمراض المهنية.. بين المخاطر ووسائل الحماية
تعزيز معايير السلامة وتكثيف الفحوصات الدورية
"الصحة": تصنيف محدد لحالات السرطان المهني
"العمل": رقابة وفحوصات للحد من الأمراض المهنية
"الضمان": منافع تأمينية للأمراض المدرجة قانونيا
خبير: ضرورة التوعية بـ"السرطان المهني" في بيئات العمل
"العمل الدولية": 4 بالمئة من حالات السرطان عالميا "مهنية"
تتقاطع يوميات العمل الشاق مع مخاطر صحية لا تظهر آثارها إلا بعد سنوات طويلة، وبين ضجيج الآلات وروائح "المذيبات" وغبار الحجر، تتشكل قصص إنسانية مؤلمة لعمّال وجدوا أنفسهم في مواجهة أمراض عديدة، دون وعي كافٍ بطبيعة المخاطر أو وسائل الحماية اللازمة.
وأمضى سامي، أكثر من 25 عاما داخل مصنع دهانات، يعمل لساعات طويلة بين عبوات مفتوحة وأبخرة "مذيبات" تملأ القاعة المغلقة، لم يكن يعرف أسماء المواد الكيميائية التي يمزجها بقدر ما كان يميزها بروائحها؛ فـ"التنر" كان أول ما يستنشقه صباحا وآخر ما يعلق في أنفاسه مساءً.
ويقول سامي لـ"الرأي": "كنا نمزج الألوان وأيدينا تظل مزيتة طول اليوم.. ما حدا حكى لنا شو يعني مواد عضوية طيّارة، ولا حدا أعطانا فلتر حقيقي".
لم تتوفر كمامات بـ"فلترة" معتمدة، ولا برامج تدريب واضحة حول مخاطر الاستنشاق المزمن، فاستمر العمل واستمرت السنوات.
قبل عامين تغيّر السعال الذي لازمه طويلا، وبدأ الألم يشتد وظهر الدم، شُخِّصت حالته بداية على أنها التهاب، قبل أن تكشف الفحوصات الطبية إصابته بسرطان الرئة.
اليوم يتحدث بصوت متقطع، يلتقط أنفاسه بصعوبة، "إذا طلعت 5 درجات بوقف.. ما كنت أعرف إنو النفس ممكن يصير أغلى من الراتب".
لم يعد إلى عمله، ولم يعترف بحالته كإصابة عمل، فلا يتلقى أي تعويض.. يعتمد على أبنائه في تأمين احتياجاته، وينتظر جلسات العلاج الكيماوي، فيما تحاول رئتاه اللتان امتلأتا يومًا بالأبخرة أن تتنفسا دون ألم.
وفي مختبر طبي خاص كانت جميلة تنظف الطاولات التي توضع عليها العينات البيولوجية، وتتولى التخلص من الإبر والشرائط المستخدمة.
لم تتلق تدريبا كافيا حول مخاطر التعرض المزمن لبيئة المختبر، ولم تزود بوسائل حماية تتناسب مع طبيعة العمل.
تقول جميلة لـ"الرأي" إنها لم تكن تدرك أن المخاطر قد تجاوز الجروح العرضية، وأن التعرض التراكمي قد يترك أثرا لهذا الحد، قبل 3 سنوات ظهرت أورام صغيرة في رقبتها وتحت إبطها، تجاهلتها لانشغالها بتأمين مصاريف البيت: "كل راتبي كان يروح عالإيجار والمدارس.. ما كنت أقدر أترك الشغل"، تقول.
حين اشتد التعب قصدت المستشفى فجاء التشخيص صادما بسرطان الغدد اللمفاوية.. اليوم لا تستطيع العمل ساعة كاملة، ويستنزف العلاج مدخراتها المحدودة، وتتمسك بأمل في التعافي والعودة إلى حياة طبيعية.
وفي إحدى مقالع الحجر، بدأ عبدالله العمل شابا في الـ20 من عمره.. سنوات طويلة قضاها تحت أشعة الشمس المباشرة، وبين غبار أبيض كثيف يملأ رئتيه وملابسه.. لم تكن هناك كمامات بمواصفات معتمدة، ولا فحوصات جلدية دورية، وكان الغبار جزءا من يومه كما الشمس.
يقول لـ"الرأي": "كنا نرجع عالبيت والغبرة معنا، والشمس حرقت جلدنا سنة ورا سنة". وفي أواخر الأربعينات، بدأت شامات داكنة تكبر وتتشقق على كتفه وظهر يده.. وبعد مراجعات طبية متكررة، جاء التشخيص بسرطان الجلد.
خضع لثلاث عمليات استئصال ولا يزال هاجس عودة المرض يلازمه.. ينظر إلى أبنائه الذين يعملون اليوم إلى جانبه في المقلع، ويقول بقلق: "بخاف يصير فيهم زي ما صار فيّ".
قصص سامي وجميلة وعبدالله تعكس وجها إنسانيا لمخاطر مهنية ربما تفاقم في بيئات عمل تفتقر إلى إجراءات السلامة الكافية والرقابة الصارمة والتوعية المستمرة.
ومع تصاعد حالات الإصابة بالسرطان المرتبطة بطبيعة المهنة، تبرز الحاجة إلى تعزيز معايير الصحة والسلامة المهنية، وتكثيف الفحوصات الدورية، وضمان الاعتراف بالإصابات المهنية وتعويض المتضررين، حمايةً لعمال يشكلون عصب قطاعات إنتاجية كاملة، لكنهم غالبًا يدفعون الثمن بصمت.
الصحة": تصنيف محدد لحالات السرطان المهني
من جهته يؤكد رئيس قسم السيطرة على السرطان في وزارة الصحة ورئيس السجل الوطني للسرطان الدكتور عبدالله معتوق أن السجل لا يتضمن حاليًا متغيرا مفعّلا يربط بين نوع السرطان والمهنة أو التعرضات المهنية، مشيرا إلى أن التاريخ المهني للمريض لا يُجمع بصورة منهجية ضمن استمارات التسجيل المعتمدة.
ويوضح معتوق في تصريح إلى "الرأي" أنه لا توجد حتى الآن آلية تبليغ رسمية أو تصنيف محدد لحالات السرطان المهني، ما يعني أن البيانات المتعلقة بهذا النوع من الإصابات غير متوفرة ضمن قاعدة بيانات السجل الوطني.
العمل": رقابة وفحوصات للحد من أمراض المهنة
من جانبها تؤكد مديرة مديرية السلامة والصحة المهنية في وزارة العمل المهندسة إيمان العبداللات إلى "الرأي" أن دور الوزارة في ملف الأمراض المهنية يتركز على الرقابة والتفتيش، والتحقق من التزام أصحاب العمل بتوفير الاحتياطات والتدابير الوقائية اللازمة لضمان بيئة عمل آمنة والحد من المخاطر.
وتوضح أن المديرية تتابع تنفيذ الفحوصات الطبية الأولية والدورية للعمال، باعتبارها أداة أساسية للكشف المبكر عن الأمراض المهنية ورصد أي مؤشرات صحية مرتبطة بطبيعة العمل.
وتشير العبداللات إلى أن بإمكان أي عامل التقدم بشكوى تتعلق ببيئة العمل أو باشتراطات السلامة والصحة المهنية عبر المنصة الإلكترونية المخصصة لاستقبال الشكاوى العمالية "حماية"، مؤكدة أن جميع الشكاوى تُعالج وفق الإجراءات القانونية المعتمدة.
وفيما يتعلق بالتعويضات الناجمة عن الأمراض المهنية، تلفت إلى أن هذا الملف يقع ضمن اختصاص المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، بوصفها الجهة المعنية بالمنافع.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرأي الأردنية
