يتغير نمط الاستهلاك في الاقتصاد العالمي مع توسع الإنفاق على المنتجات التي تمنح معنى وتجربة وقيمة عاطفية. وفي قلب هذا التحول، برزت سوق الألعاب والمقتنيات كأحد أبرز تجليات ما يُعرف بـ«الاقتصاد العاطفي»، حيث يخصص المستهلكون حصة متزايدة من إنفاقهم التقديري لمنتجات تعزز الهوية والانتماء والتعبير الشخصي.
ويتجلى هذا التحول في تسارع نمو القطاع عبر مختلف المناطق، مع اتساع قاعدة المستهلكين وارتفاع الطلب على المنتجات المرتبطة بالثقافة الشعبية والمقتنيات والإصدارات المحدودة، بالتوازي مع دخول شركات جديدة وتوسّع العلامات القائمة في تطوير منتجات وتجارب تستهدف جمهوراً أوسع من الفئات العمرية في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا والشرق الأوسط على حد سواء.
«بايت دانس» تتفاوض مع شركة سعودية لبيع وحدة ألعاب بـ7 مليارات دولار
البالغون يقودون موجة النمو
تشير بيانات شركة أبحاث السوق «سيركانا» (Circana) إلى أن صناعة الألعاب دخلت مرحلة توسع جديدة خلال 2025، بعدما ارتفعت المبيعات عبر 12 سوقاً عالمية بنسبة 7% خلال النصف الأول من العام، بينما قفزت مبيعات المقتنيات بنسبة 35%، في وقت أصبح فيه البالغون أسرع الفئات نمواً في شراء الألعاب، إذ أفاد نحو 43% منهم بأنهم اشتروا ألعاباً لأنفسهم خلال عام واحد.
هذا التحول دفع الشركات إلى إعادة توجيه استراتيجياتها نحو منتجات تستهدف المراهقين والبالغين، مثل المجسمات وبطاقات التداول والألعاب الجماعية والدمى المحشوة المرتبطة بالأفلام والأنمي والألعاب الإلكترونية. وبذلك انتقلت الألعاب من سوق موجه للأطفال إلى سوق متعددة الأجيال تتقاطع مع قطاعات الترفيه والإعلام والثقافة الرقمية.
كما يعكس هذا المسار تحولاً في مفهوم الرفاهية لدى الأجيال الشابة، التي أصبحت أقل انجذاباً للسلع الفاخرة التقليدية وأكثر ميلاً للمنتجات التي توفر تجربة قابلة للمشاركة رقمياً، وهو ما دفع بعض المحللين إلى وصف المرحلة الحالية بـ«اقتصاد الفرح».
من الترفيه إلى الاستثمار الثقافي
أحد أبرز التحولات يتمثل في انتقال الألعاب من منتجات للاستخدام المؤقت إلى مقتنيات قابلة للجمع والتبادل وإعادة البيع. فقد تحولت الإصدارات المحدودة إلى أصول ثقافية ذات قيمة سوقية، مدعومة بانتشار المجتمعات الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي التي عززت ثقافة العرض والمشاركة.
وقد أدى ذلك إلى نشوء اقتصاد فرعي لإعادة البيع والتبادل، حيث يمكن أن ترتفع قيمة بعض المنتجات بعد طرحها في الأسواق، ما يمنحها بعداً استثمارياً إلى جانب قيمتها الترفيهية. وبهذا المعنى.
وأسهمت الثقافة الرقمية في توسيع قاعدة الطلب وتسريع دورات إطلاق المنتجات، إذ أصبح المستهلكون يتابعون الإصدارات الجديدة ويتبادلون المعلومات عبر المنصات الاجتماعية، ما يعزز الطلب على المنتجات محدودة الإصدار. وفي هذا السياق، يشهد نموذج «صندوق المفاجآت» (Blind Box) انتشاراً متزايداً، إذ بلغ حجمه في الشرق الأوسط وإفريقيا نحو 285 مليون دولار.
«الاقتصاد العاطفي» في قلب التحول الاستهلاكي
يقوم «الاقتصاد العاطفي» على إعادة توجيه الإنفاق التقديري نحو منتجات ذات قيمة رمزية وعاطفية. ومع ارتفاع مستويات التوتر وعدم اليقين في سوق العمل عالمياً، ازداد استعداد الأفراد للإنفاق على منتجات توفر دعماً نفسياً وإحساساً بالاستقرار.
وتظهر دراسات سلوك المستهلك لدى شركة «برايس ووترهاوس كوبرز» (PwC) أن الأجيال الشابة، ولا سيما جيل زد وجيل الألفية، تعيد توجيه إنفاقها نحو الثقافة الشعبية والهوايات ومنتجات الرفاه النفسي. كما تظهر أبحاث علمية أن التحفيز اللمسي قد يساهم في خفض مستويات التوتر، ما يفسر الإقبال المتزايد على المنتجات المرتبطة بالراحة النفسية.
الإنفاق الخليجي يحوّل ألعاب الفيديو إلى رافعة نمو اقتصادي عالمي
التجارة الإلكترونية تعولم سوق المقتنيات
لعبت التجارة الإلكترونية دوراً محورياً في تسريع انتشار هذا الاتجاه عبر الحدود، إذ أتاحت المنصات الرقمية الوصول إلى منتجات عالمية متخصصة بسهولة، كما منحت الشركات القدرة على إطلاق إصدارات محدودة بسرعة والتفاعل المباشر مع المستهلكين، وهو ما انعكس في اتساع حجم السوق عبر مناطق متعددة.
ففي آسيا، تُظهر بيانات شركة «آي آي ميديا» (iiMedia) أن سوق «الاستهلاك العاطفي» في الصين ارتفع من 1.63 تريليون يوان في 2022 إلى 2.31 تريليون يوان في 2024، مع توقعات بتجاوزه 4.5 تريليون يوان بحلول 2029. وفي الولايات المتحدة، تشير بيانات «جمعية الألعاب الأميركية» (Toy Association) إلى أن حجم سوق الألعاب بلغت نحو 45.6 مليار دولار في 2025، مدفوعة بالطلب المتزايد على المنتجات المرتبطة بالثقافة الشعبية والمقتنيات.
أما في أوروبا، فتشير تقديرات شركة «آي مارك غروب» (IMARC Group) إلى أن سوق الألعاب بلغت نحو 29.4 مليار دولار في 2025، مع توقعات بتجاوزه 48 مليار دولار بحلول 2034، في حين تُظهر تقديرات الشركة نفسها أن سوق الألعاب في الشرق الأوسط بلغت نحو 4.6 مليار دولار في 2025، مع توقعات بارتفاعها إلى 9.2 مليار دولار بحلول 2034.
من الترفيه إلى فئة استثمارية ناشئة
بالنسبة للشركات، يفرض هذا التحول إعادة تقييم نماذج الإيرادات التقليدية، إذ لم يعد التنافس قائماً على السعر أو الجودة فقط، بل على القدرة على توليد طلب مستدام قائم على الارتباط العاطفي وبناء مجتمعات استهلاكية طويلة الأجل حول العلامة التجارية.
ومع توسع الاستثمار في الملكية الفكرية والمنتجات المرتبطة بالثقافة الرقمية، يتجه القطاع نحو نماذج أعمال تعتمد على تعظيم القيمة مدى الحياة للعميل وتنويع مصادر الإيرادات عبر الإصدارات المحدودة وإعادة البيع والتجارب التفاعلية.
وفي هذا السياق، يتوقع أن يتحول قطاع الألعاب والمقتنيات إلى فئة استهلاكية ذات جاذبية استثمارية متزايدة، تتقاطع فيها التجارة والتكنولوجيا والترفيه، وتفتح مسارات نمو جديدة تتجاوز الإطار التقليدي لصناعة الألعاب.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
