د. أبوغزله يقدّم قراءة نقدية في مشروع قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية #عاجل جو 24 :
إعداد الدكتور محمد أبوغزله *
حين يسوق الاجترار على أنه إصلاح، في ظل التحولات التكنولوجية والإدارية المتسارعة، وفي سياق ما يعلن عنه من خطط للإصلاح والتحديث السياسي والاقتصادي والإداري، يصبح من الطبيعي، بل والضروري مراجعة القوانين والأنظمة الناظمة لعمل الوزارات، لا سيما تلك التي تشهد تراجعا واضحا في الأداء والفاعلية غير أن المراجعة التشريعية، حين تبنى على اجترار تجارب سابقة أثبتت فشلها أو كانت محدودية في أثرها، تتحول من أداة إصلاح إلى عبء إضافي على المنظومة القانونية والإدارية والتعليمية، ولعل ما أصبح يثار عن تعديلات القانون، وآخرها قانون الضمان الاجتماعي، لخير دليل على ذلك، علما لا ينقصنا الفقهاء والخبراء القانونيون الحقيقيون، والذين يمكن استشارتهم وتجويد هذه التشريعات، وهنا لا أتحدث عن ما يسمون بفقهاء القانون الذين يعملون على الدعسة تاعون " روح دافع عن القانون وبرر القرارات وبنبرة عالية ومقدم الحلقة اتركه لنا ".
إن دمج وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي ليس تجربة جديدة؛ إذ طبق هذا النموذج بين عامي 1985 و2001، ثم جرى التراجع عنه بعد أن تبين عجزه عن تحقيق الغايات المرجوة، ومع ذلك يعاد اليوم إنتاج الفكرة ذاتها بقانون جديد تحت مسمى مشروع قانون التربية والتعليم وتنمية الوارد البشرية، والذي لم يشمل أي كلمة في اسمه عن التعليم العالي، رغم أهميته استراتيجيا على مستوى الدول، ولا حتى يتضمن في متنه أي محتوى يتعلق بتنمية الموارد البشرية هذه الحلقة التي يجب أن تتكامل مع الوزارات والمؤسسات المعنية بتنمية الموارد البشرية، والتي لم يتم الرجوع إليها أو التنسيق أو المواءمة بينها لضمان التكامل الرأسي والأفقي في التخطيط التكاملي، لا يحمل في جوهره سوى تعديلات شكلية تقوم على النسخ والقص واللصق، مع تسويقها بوصفها إنجازا سياسيا وإداريا يتماشى مع خطاب رؤية التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، ويتكئ على الرؤية لتبرير تنفيذ القانون.
وتتعـمق الإشكالية حين يصبح الهدف الأساسي من التعديل هو الإعلان عن إنجاز لا تحقيقه فعليا؛ فليس كل تعديل ينشر في الجريدة الرسمية إنجازا حقيقيا، ولا كل تغيير في الصياغة تطورا في المضمون، ولا أي عملية نسخ أو قص ولصق تطويرا. وحين يستند في تبرير هذا النوع من التشريعات إلى مرجع سياسي أو خطاب ظرفي لمنحه الخطوة شرعية شكلية تخفي غياب الدراسة المتعمقة والتقييم الموضوعي. عندها ستكون خطورة إنجازات العناوين في أنها تراكم نصوصا بلا أثر، وتربك المنظومة التعليمية بتعديلات متلاحقة لا تضيف قيمة حقيقية، بل تضعف الثقة في العملية التشريعية ذاتها، وتحول القانون من أداة إصلاح إلى مجرد واجهة تجميلية.
ولعلي أقف على كل شاردة وواردة في القانون الجديد، لعلي أسهم في إعطاء القائمين على اعداد مشروع القانون فرصة لإعادة دراسة القانون قبل الزج به إلى الغرف التشريعية، فمسمى القانون فيه شيء من التضليل اللغوي والتناقض المفاهيمي؛ إذ يحمل القانون مسمى مشروع "قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية"، غير أن مضمونه لا يعكس هذا العنوان الطموح، فالتعليم العالي، الذي يعد ركيزة أساسية في تنمية الموارد البشرية ومحط اهتمام عالمي، جرى إسقاطه من اسم القانون، ثم جرى ذكره في المتن بطريقة هامشية باستثناء تشديد القبضة والتدخل في مؤسسات التعليم العالي من خلال مهام المجلس بغير ذلك ظهر التعليم العالي كأنه ملحق إداري لا قطاع استراتيجي، وحتى وإن كان التفكير في إفراد له إدارة عامة ضمن هيكل الوزارة المستقبلية او لجنة للإشراف، فإن ذلك لا يبرر هذا التقزيم، ولا ينسجم مع الأهمية الوطنية والعلمية للتعليم العالي، ولا مع دوره في البحث العلمي وبناء الاقتصاد المعرفي أما إذا كان هناك تبرير لترسيخ استقلالية الجامعات، فهذا يدحض ما تضمنته المادة المتعلقة بمهام المجلس، والتي تشير إلى التدخل المباشر حتى في أسس القبول والبرامج وغيرها مما ينفي استقلاليتها.
كما أن مصطلح تنمية الموارد البشرية البراق في اسم الوزارة حضر اسما في مشروع القانون وغاب مؤسسيا؛ فهذا المصطلح يفترض أن يعكس تحولا حقيقيا في الرؤية والوظيفة المستقبلية للوزارة، كما أن الأسباب الموجبة للقانون، والتي تم تسويقها، تكشف عن غياب واضح للتنسيق مع الجهات الوطنية المعنية بهذا الملف لضمان التكامل في التخطيط للموارد البشرية، وعلى رأسها وزارة تطوير القطاع العام، التي تتولى منذ تأسيسها عام 2006 مسؤوليات واضحة في مجال تنمية الموارد البشرية في القطاع العام. كما يغيب أي انسجام تشريعي أو مؤسسي مع هيئة الخدمة والإدارة العامة للمساهمة في المشاركة في صياغة أهداف التعليم والمهارات المطلوبة، وتوجيه البرامج في الجامعات لتحقيقها، والأمر كذلك مع معهد الإدارة العامة العريق، ومع المركز الوطني لتنمية الموارد البشرية، الذي مهامه ومسماه منذ التأسيس ينصبان على تنمية الموارد البشرية، وغالبية عمله مع وزارة التربية والتعليم، وهيئة تنمية وتطوير المهارات المهنية والتقنية التي يفترض أن تكون شريكا في ذلك وعضوا في المجلس الموقر، وللعلم، فإن هذه الجهات أيضا تم تغييبها عن عضوية مجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، لذا فإن الحديث عن "توحيد المرجعيات" و"تطوير مهارات الموارد البشرية في مراحل التعليم العام أو العالي" يبقى خطابا إنشائيا ما لم يترجم إلى تكامل حقيقي مع هذه المؤسسات، وليس تدخلا في الصلاحيات وتكرارا في الأدوار والأمر المهم في أن المبررات لمشروع القانون لم تترجم في مواده فلا في مواد التعريفات والفلسفة ومبادئ السياسات والاهداف وجميع المواد في القانون لم تتضمن أي شيء من قانون التعليم العالي باستثناء تعريف مؤسسات التعليم العالي والبنود التي أسندت لمجلس التربية وتنمية المواد البشرية من اجل التدخل في شؤون الجامعات التي نتحدث عن استقلاليتها فعن أي مبررات تساق لمشروع القانون الجديد من اجل توحيد المرجعيات و التكامل والانتقال بين المراحل ورفع جودة التعليم بكافة مراحله وتطوير مهارات القوى العاملة والمواءمة بين مخرجات التعليم وسوق العمل او تعزيز استقلالية الجامعات والتي افردت (11) نقطة من اصل (13) واعطيت كمهام للمجلس لمزيد من المركزية والتدخل في شؤون الجامعات وفي في شؤون اعتماد مؤسسات التعليم العالي فللمجلس الحق في إيقاف القبول في التخصصات وإلغاء تراخيص مؤسسات التعليم العالي او تخصصاتها وأيضا ستشكل لجنة للأشراف على مؤسسات التعليم العالي فعن اين تكامل تتحدون.
وإذ ما ذهبنا إلى قائمة التعريفات المادة (2)، نجدها قصا ولصقا من القانونين الأصليين للوزارتين ومهام المجالس، حتى باتت نقلا حرفيا بلا رؤية، كما أنه تم إعادة وضع بعض المواد القانونية من القانونين وتحويلها لتصبح تعريفات في مشروع القانون المقترح، دون أن يرافق ذلك أي تطوير مفاهيمي والغريب أنه تم أدرج تعريف للتعليم الإلكتروني، لكن خلت سياسات الوزارة أو مواد القانون من معالجة حقيقية لهذا النمط التعليمي المهم، والذي أصبح العالم كله يتوجه إليه وفي إشارة خجولة في اخر القانون بانه سيصدر في نظام لإدماجه في مؤسسات التعليم العالي وكان التعليم العام لا يومه هذا النوع من التعليم وكذلك إضافة تعريفات "المهن التخصصية" و"المهن الإدارية"، فتكشف عن توجه إداري محض يهدف إلى تبرير الفروقات في العلاوات، لا إلى تطوير بيئة العمل التربوي وتحديد المهارات التي يجب أن تُنمّى لدى الموارد البشرية.
وإذا ذهبنا أيضا لفلسفة التعليم في مشروع القانون المادة (3) فقد نالها ما نال المواد الأخرى؛ فعلى الرغم من الحديث عن التطورات التكنولوجية ومهارات سوق العمل التي وردت في مبررات مشروع القانون، فإن التعديل عليها كان شكليا، رغم مرور سنوات على وضع هذه الفلسفات، ولم يتم التعديل الجوهري على أهدافها او الإضافة عليها رغم مرور أكثر من ربع قرن عليها او ما يزيد (3) عقود، والتعديلات انصبت في معظمها على فصل أو دمج مواد، وتبديل مواقع نقاط، وحذف أو إضافة كلمات، دون أن تمس الجوهر. فخفض عدد الأسس الفكرية أو الوطنية عبر الدمج لا يعني تطويرا، بل تقليصا لغويا، كما أن إضافة عبارات عامة مثل "التعليم استثمار في المستقبل" في فلسفة القانون لا تضيف معنى تشريعيا، لأن القانون برمته يقوم على هذه الفرضية.، اما الصياغة المتعلقة بالتعليم بمفهومه العام، وهي التعليم الدامج في النقطة المضافة في فلسفة القانون، فجاءت فضفاضة وغير منضبطة، والأجدى أن تكون الإضافة عن التعليم بمفهومه العام كإطار فكري وتنظيمي، ينظر إلى التعليم بوصفه حقا إنسانيا وأداة تنمية شاملة، يقدم لجميع فئات المجتمع بصورة عادلة ومنصفة، ولا يحصر بالتعليم الدامج مع ملاحظة أن تم الاعتماد على الفلسفة الموجودة في قانون التربية والتعليم وكانه لم تكن هناك فلسفة في قانون التعليم العالي فعن أية مبررات تسقون لمشروع القانون في موضوع بناء هيكل جديد لنظام التعليم ليصبح الانتقال بين المراحل التعليمية اكثر كفاءة وشمولا واكثر سهولة.
أما فيما يتعلق بالسياسات والأهداف في المواد ( 4،5)، فطالها اختزال أخل بالاتساق بين محتواها؛ فرغم إعادة ترتيب مبادئ السياسات التعليمية لتصبح قبل الأهداف عما كانت عليه في القانون الأصلي، فإن التعديلات لم تشمل أهدافا جديدة وحيوية تواكب العصر وتستجيب للمتغيرات، بل شملت شطب جزئيات من بنود جوهرية، مثل التأكيد على أهمية التربية السياسية من البند الثالث من القانون الأصلي، في وقت تبقي فيه على شعارات عامة حول المشاركة والعدالة والديمقراطية، والتي لا تستقيم دون التربية السياسية.، والملفت للأمر أن السياسات تم الاعتماد فيها على السياسات الواردة في قانون التربية والتعليم الأصلي ولم يضيف القانون اية سياسات تتعلق بالتعليم العالي وتنمية الموارد البشرية .
كما جرى اختصار الأهداف التربوية من (18) إلى (11) هدفا، من خلال الدمج والحذف والنقل لمواقع أخرى أو الإضافة غير الجوهرية، دون بيان فلسفة هذا الاختزال، ودون ضمان اتساق الأهداف مع مبادئ السياسات من حيث المضمون لا من حيث العدد، كما أن حذف هدف الاعتزاز الإسلامي والقومي والوطني من القانون الأصلي، وإضافة مفهوم مثل "التطور الحضاري" في هدف استيعاب عناصر التراث في القانون الجديد، يطرح تساؤلات جدية حول الرؤية الفكرية التي تحكم الحذف والإضافة وبالتي تحكم صياغة القانون، فهل شطب هدف الاعتزاز الإسلامي والقومي والوطني من القانون الأصلي مدعاة للشطب ؟، حتى لو كان هناك هدف آخر يتعلق باستيعاب الإسلام وعقيدته وشريعته، بينما إضافة فهم التطور الحضاري ستكون مدعاة لمراجعة التراث وتغييره، لذا اعتقد إنها إضافة لا يوجد لها تفسير فلسفي او تربوي أو علمي، كما أن حتى الأهداف المقترحة في مشروع القانون اخذت جميعها من قانون التربية والتعليم الأصلي والسؤال ألم يكن هناك أهداف في قانون التعليم العالي .
كما أن شطب توجيه هدف النظام التربوي بما يكفل تحقيق مركزية التخطيط العام والمتابعة، واللامركزية في الإدارة، مدعاة للشطب لأنه أقصى مشاركة لجنة التخطيط المركزية التي كانت تشكل بموجب تعليمات، واللجنة الموسعة من الميدان، والتي تضم مديري التربية، وأصبحوا لا دور لهم في عملية التخطيط للميدان التربوي، لأن هذه المهمة أسندت لمجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية المبجل، وبالتالي فالتوجه الجديد قائم على الاقصاء وضرورة تبنى مفهوم التخطيط للكرس الغائب في التعليم، والذي كان الطالب في استمرار ولكن أضاف التوجه الجديد عليه المعلم والكوادر القيادية والإدارية في التعليم، وهذا من أخطر ما تضمنه القانون الجديد.
أما فيما يتعلق بالمادة (6) المتعلقة بأعمال الوزارة، فهو تفريغ للمسؤوليات الأساسية؛ حيث شهدت المادة المتعلقة بأعمال الوزارة شطب مهام محورية، مثل توفير الأبنية المدرسية، والرعاية الإرشادية والصحية، وتشجيع البحث العلمي، والنشاط الثقافي والعلمي. وفي المقابل، جرى تفتيت هذه الأعمال أو نقل بعضها إلى مواد مستقلة دون مبرر موضوعي، ما يضعف وحدة النص ويفرغ الوزارة من أدوارها الجوهرية، كما أن تحويل التزامات واضحة تجاه المعلمين، مثل الإسكان والضمان الاجتماعي، إلى صلاحيات جوازيه لا إلزامية، يمثل تراجعا خطيرا عن مسؤولية الدولة تجاه الكادر التعليمي، مع إدراكنا أن معظم أعمال الوزارة ستصدر في أنظمة وتعليمات، وهذا أمر نقدره لتسهيل اتخاذ القرارات وإجراءات التعديلات، ولكن الخوف أن يتم استغلال ذلك لغايات اتخاذ القرارات وتنفيذ المصالح، وهنا نقول إن نقلها وحصرها بالمجلس يؤكد المركزية ويقصي التشاركية من المعنيين في الميدان.
وأما المادة (7) المتعلقة بتعزيز العلاقة بين المؤسسة التعلية والمجتمع المحلي فخصصت لتشكيل المجالس المحلية المدرسية والبرلمانية الطلابية ومجالس أولياء الأمور وتنفيذ الأنشطة التطوعية فجميعها ستصدر في تعليمات، وكان العلاقة تنحصر في هذه الأنشطة فقط علما بان هناك مجال العلاقة مع المجتمع المحلي والمجتمع بشكل عام لم تغب في القوانين التربوية التي تم تطويرها منذ قانون المعارف واما المادة (8) فهي تختص بالشروط الواجب على المدرسة الخاصة التقييد فيها في الالتزام بالفلسفة التعليمية والاطر العام والخاصة وتدريس البرامج الأجنبية بعد إقرارها من المجلس وتدريس اللغات في اية مرحلة مع ان القانون لم يفرد بند للإشراف عليها ومتابعتها وانما تحدث عن الاشراف والرقابة على المنصات والشبكات وغيرها.
أما في مجال تشكيل مجلس التربية والتعليم والتنمية البشرية ومهامه في المادة ( 9/أ، و10) فيشير ذلك إلى تضخم شكلي وغياب لفعالية الأعضاء، حيث جرى الاعتماد في اختيارهم على مواقعهم كوزراء لا يعرفون عن سياسات ولا عن أهداف التعليم، وغاب عن التشكيلة التكنوقراط من التربويين، سواء من ذوي الخبرة في وزارة التعليم العالي والجامعات أو في وزارة التربية والتعليم، كما أن الية اجتماعات المجلس واجتماعه مرة كل ثلاثة أشهر، وفيه مثل هؤلاء الأعضاء يطرح تساؤلا كيف سيخططون لسياسات التعليم و توجيه التعليم العالي والعام، ونسبة الأكاديميين فيه مع الوزير في المجلس لا تتجاوز (25%)، ونسبة التربويين (صفر)، ونسبة من ليس لهم علاقة بالتعليم العام والعالي تصل (75%)؟ وبالتي ما هي آليات الاختيار لهم: فهل المقصود تطوير التعليم، أم تدميره من خلال اختيار اشخاص بعيدين كل البعد عن المهام التي توكل إليهم، كما يحدث في مختلف المؤسسات التي تآكلت بسبب الشللية والمحسوبية.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
