يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب تصعيد سياسته الجمركية باعتبارها أداة لإعادة هندسة النظام التجاري العالمي وتقليص العجز الأميركي المزمن. غير أن الأرقام ترسم صورة معاكسة: فبدلاً من انكماش الاختلالات، تتجه إلى مزيد من الرسوخ.
فقد ارتفع العجز التجاري الأميركي في السلع إلى مستوى قياسي بلغ 1.24 تريليون دولار في 2025، مدفوعاً بزيادة الواردات بنسبة 4.3%، وفق بيانات لـ«مكتب الإحصاء الأميركي» (U.S. Census Bureau) نقلتها صحيفة «وول ستريت جورنال». ويأتي ذلك في وقت أبطلت فيه المحكمة العليا جولة من الرسوم لأسباب إجرائية، بينما تعهّد ترامب بإعادة فرضها استناداً إلى نص قانوني مختلف، ما يؤكد أن المعركة التجارية لم تنتهِ، بل دخلت مرحلة إعادة تموضع.
المفارقة أن الرسوم لم تُنتج إعادة توازن في النماذج الاقتصادية للدول المصدّرة، بل دفعتها إلى تعميقها. فمن برلين إلى طوكيو، اختارت الحكومات تعزيز دعمها الصناعي بدلاً من التحول نحو الاستهلاك المحلي. وبهذا المعنى، تحوّلت الرسوم إلى حافز لإعادة تحصين آلة التصدير العالمية.
أسئلة تبحث عن أجوبة.. بين قوة ترامب ومصير التعريفات الجمركية
سياسات مضادّة للرسوم
في اليابان، أطلقت رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي حزمة إنفاق بقيمة 21.3 تريليون ين، أي نحو 136 مليار دولار. ورغم تضمّنها خفضاً مقترحاً لضريبة الاستهلاك قد يدفع الواردات إلى الارتفاع، فإن الثقل الحقيقي للخطة يتمثل في مضاعفة الدعم الصناعي وتعزيز القدرة التنافسية للمصدّرين.
وفي كوريا الجنوبية، ضخت الحكومة 25 تريليون وون، أي 17.5 مليار دولار، سيولة مباشرة للمصدّرين لامتصاص صدمة الرسوم. أما تايوان، فوسّعت ضمانات الائتمان الموجهة للتصدير، وقدّمت دعماً ائتمانياً مباشراً للمصدّرين والشركات الصغيرة والمتوسطة لمواجهة اضطرابات التجارة.
ألمانيا بدورها تمضي في تنفيذ خطة إنفاق تقارب تريليون يورو، أي 1.2 تريليون دولار، يوجَّه جانب رئيسي منها لدعم القطاع الصناعي. كما دعمت برلين فواتير الطاقة للشركات لتعويض فقدان الغاز الروسي منخفض التكلفة، في خطوة تهدف إلى تثبيت القدرة التنافسية للصادرات الألمانية.
وقال مارسيل فراتشر، رئيس «المعهد الألماني للأبحاث الاقتصادية» (DIW Berlin)، إن ثمة قناعة راسخة داخل المؤسسة السياسية الألمانية بأن النموذج القائم على التصدير لا يزال ركيزة الاقتصاد، مضيفاً أن الهدف هو «التمسك به وحماية الصناعة»، ولا سيما القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
الفوائض التجارية
لطالما نظرت دول مثل ألمانيا والصين وكوريا الجنوبية إلى فوائضها الخارجية باعتبارها تعبيراً عن قوة هيكلية، لا اختلالاً يجب تصحيحه. وعلى هذا الأساس، عندما ترتفع كلفة النفاذ إلى السوق الأميركية، لا يكون الرد تقليص الفائض، بل خفض التكاليف محلياً.
وقال مايكل بيتيس، الزميل البارز في «مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي» (Carnegie Endowment for International)، إن كثيراً من هذه الدول «لا تستطيع تحمّل انخفاض فوائضها»، لذلك تلجأ إلى نقل العبء إلى الداخل عبر سياسات دعم ممولة من الأسر، ما يؤدي إلى إضعاف الطلب المحلي.
وحذّر من أن سباق الدول نحو خفض الأجور ودعم الصادرات قد يضغط على النمو العالمي، قائلاً: «إذا سلك الجميع هذا المسار، فإن النمو الإجمالي سينخفض لا العكس».
ألمانيا تراجع نسبي لا يغيّر الاتجاه
استقر فائض الحساب الجاري الألماني عند نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بأكثر من 8% قبل الجائحة. ويعود جزء من التراجع إلى ارتفاع واردات الطاقة بعد توقف الإمدادات الروسية الرخيصة. ومع ذلك، يبقى الفائض أعلى بكثير من المستوى الذي تعتبره «المفوضية الأوروبية» (European Commission) متوازناً، والمقدّر بين 1% و2% من الناتج المحلي.
ورغم انخفاض الصادرات الألمانية إلى الولايات المتحدة بنسبة 9.4% العام الماضي، تبقى السوق الأميركية الأكبر لألمانيا، مع فائض ثنائي يبلغ 51.9 مليار يورو.
وقال المستشار الألماني فريدرش ميرتس إنه يأمل أن يؤدي حكم المحكمة العليا الأميركية إلى خفض الرسوم على الاتحاد الأوروبي، والتي تبلغ حالياً 15% لمعظم السلع بموجب اتفاق العام الماضي، مشيراً إلى أنه سيناقش الملف خلال زيارته المرتقبة لواشنطن.
الصين تحت المجهر الدولي
في آسيا، يتوقع أن يصل فائض الحساب الجاري الصيني إلى 4.3% من الناتج المحلي هذا العام، مدفوعاً بطفرة الصادرات وضعف الاستهلاك المحلي، وفق تقديرات «غولدمان ساكس» (Goldman Sachs). وفي المقابل، يبلغ عجز الحساب الجاري الأميركي نحو 4% خلال آخر 12 شهراً، أي ضعف مستواه في 2019.
وفي انتقاد نادر بلهجة حادة، دعا «صندوق النقد الدولي» (IMF) الصين إلى إعادة توجيه اقتصادها نحو الاستهلاك وتقليص ما وصفه بـ«السياسات الصناعية غير المبررة» للحد من تداعياتها العابرة للحدود.
«تاكو ترامب».. التعريفات سلاح تفاوضي لم يعد يهز الأسواق؟
العجز الأميركي مسألة مالية وتجارية
يعني العجز الأميركي الواسع أن الولايات المتحدة تموّل جزءاً من نموها عبر الاقتراض من الخارج. ويرى جيان ماريا ميليس-فيرّيتي، الزميل في «معهد بروكينغز» (Brookings Institution)، أن العجز يعكس أيضاً تعافي الاقتصاد الأميركي بوتيرة أسرع من نظرائه بعد الجائحة.
وأوضح أن استثمارات مثل مراكز البيانات توسّع العجز في المدى القصير نظراً لاعتمادها على واردات الرقائق، لكنها قد ترفع الإنتاجية مستقبلاً. وأضاف أن تقليص العجز المالي سيكون أكثر فعالية في خفض العجز التجاري من الضغط على الدول الأخرى لزيادة وارداتها، غير أن المؤشرات لا توحي بتحرك وشيك في هذا الاتجاه.
بادن-فورتمبيرغ: اقتصاد قائم على التصدير
في ولاية بادن-فورتمبيرغ، التي ازدهرت بعد الحرب العالمية الثانية بفضل تصدير السيارات والآلات عالية التقنية، تعتمد شركات عديدة على تصدير 80% إلى 90% من إنتاجها.
وتضم المنطقة شركات مثل «بورشه» (Porsche) و«مرسيدس-بنز» (Mercedes-Benz) و«بوش» (Bosch)، بينما أعلنت وزيرة الاقتصاد في الولاية نيكول هوفمايستر-كراوت إجراءات مالية جديدة لحماية وتعزيز الاقتصاد التصديري، كما قادت وفداً إلى فلوريدا وجورجيا لتعزيز العلاقات الاقتصادية في القطاعات التقنية.
وقال آرند فرانز، الرئيس التنفيذي لشركة مجموعة «ماهله» (MAHLE) التي تبلغ إيراداتها نحو 12 مليار يورو سنوياً، إن ألمانيا بحاجة إلى خفض تكاليف الطاقة والضرائب، وتحسين البنية التحتية، وتقليص البيروقراطية إذا أرادت الحفاظ على نموذجها الاقتصادي.
وختم بالقول: «إذا أنجزت ألمانيا واجباتها، يمكنها أن تستمر بالنموذج ذاته».
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
