التدين الخشبي.. كيف تحوّل الإيمان من بساطة الفطرة إلى صلابة القوالب؟

إن المتأمل في طبيعة علاقتنا المعاصرة بالدين، وما يعتريها من اضطرابات بنيوية، يدرك للوهلة الأولى أننا لا نواجه أزمة في «جوهر الدين» أو نصوصه التأسيسية، بل في تلك «الصورة الذهنية» المشوهة التي نُحتت عبر عقود من التراكمات الثقافية والاجتماعية غير الواعية. لقد تشكلت في الوجدان الجمعي، ولا سيما لدى الأجيال الجديدة، جدران زجاجية سميكة حالت بين القلوب وبين المعنى الحقيقي للإيمان، مما أدى إلى ما يمكن تسميته بـ«الاغتراب الديني»؛ حيث أصبح الدين يُدرك ككيان غريب ومتعالٍ، لا كحياة تتدفق في الشرايين.

هذه الفجوة لم تصنعها الصدفة، بل صنعها التحول الجذري من «الدين كحياة» تفيض بالمرونة والحيوية والانسجام مع الكون، إلى «الدين كقالب» صلد يضيق بكل ما هو إنساني وعفوي. إننا أمام أزمة معرفية يرتطم بها كل من يبحث عن الله عبر تلك النماذج التي تم تصديرها، حيث استُبدل «دفء الفطرة» بـ«صقيع القوالب»، وغاب المعنى خلف ضجيج المظهر.

ومن هنا، كان لزاماً علينا أن نضع «مشرط الجراح» لتفكيك أولى هذه الصور وأكثرها قسوة وانتشاراً، وهي صورة «التدين الخشبي».

التدين الخشبي: تشريح القالب الجامد ونقد «سوسيولوجيا العبوس»

يمثل «التدين الخشبي» ذروة الانكفاء على المظهرية كعائق استراتيجي أمام أي تواصل روحي حقيقي؛ في هذا النمط، يُختزل التدين في هيئة جامدة وملامح متكلفة، حيث يسود اعتقاد واهم بأن العبوس هو المترجم الحصري للوقار، وبأن التبسم والبشاشة ما هي إلا إقرار ضمني بالمعصية أو خفة في ميزان التقوى. إننا هنا أمام «مركزية مظهرية» تلغي الجوهر لصالح القالب، وتحول الإنسان من كائن روحاني إلى «كائن بلاستيكي» فاقد للعفوية والصدق الفطري. وإذا أردنا تفكيك «سوسيولوجيا العبوس» لدى هذا التيار، سنجد أنهم حولوا التدين إلى «درع واقٍ» يحميهم من العالم، بدلاً من أن يكون «قناة اتصال» تفتحهم عليه؛ إنهم يربطون بين اللين ونقص الهيبة، غافلين عن جوهر الهدى النبوي الذي كان يفيض رقة وبشاشة.

لقد كان حضرة النبي صلى الله عليه وسلم ـ كما تروي لنا السير ـ «لا يُرى إلا متبسماً»، ولم يكن ذلك التبسم مجرد فعل عابر، بل كان منهجاً لبناء «الأخوة الإنسانية» التي جعلها حضرة النبي صلى الله عليه وسلم سابقة على أي تصنيف أخلاقي أو ديني؛ فحين قال: «وتبسمك في وجه أخيك صدقة»، استخدم لفظ «أخيك» ولم يقل «أخيك الطائع» أو «أخيك السلفي» أو غيرهما من التصنيفات السلوكية.

إن هذا الجمود ليس تقوى، بل هو «تنميط سلوكي» يقتل الإبداع والجمال في النفس البشرية؛ فالتضامن مع آلام الأمة ومعاناتها مثلاً ـ وهو أمر وجداني أصيل ـ لا يعني بأي حال من الأحوال إنكار بشاشة الروح، فحضرة النبي صلى الله عليه وسلم الذي عاش أثقل آلام مكة وأحزانها، ظل يحمل في وجدانه سعة ورحمة ووجهاً طلقاً؛ إن تجميد المشاعر هنا هو نوع من الافتعال الذي يوهم صاحبه بالسيادة الأخلاقية، بينما هو في الحقيقة انسلاخ من الفطرة التي تميل للصدق واللين لا للصلابة الخشبية.

التدين الدرامي: من «حضرة المعنى» إلى «مسرح الانفعال»

لم يتوقف الخلل عند حدود الهيئة الخارجية والجفاء السلوكي، بل تسلل إلى أعمق مناطق الوجدان فيما يمكن تسميته بـ«التدين الدرامي». هنا، ننتقل من «حضرة المعنى» إلى «مسرح الانفعال»، حيث تتحول العبادة والعلاقة بالقرآن الكريم من حالة «سكن وخشوع» إلى «استعراض عاطفي» فج، يركز على الأداء الخارجي الصارخ لاستجلاب التأثير بدلاً من العبور الروحي الهادئ.

نحن نرى اليوم نماذج من «عصر المشاعر» لإنتاج دموع مصطنعة، وصراخاً عالي النبرة مع كل آية تُتلى، وكأن.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن المصرية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن المصرية

منذ 36 دقيقة
منذ 4 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 7 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ ساعة
بوابة الأهرام منذ 11 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 4 ساعات
صحيفة الدستور المصرية منذ 9 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 23 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ ساعتين
صحيفة اليوم السابع منذ 7 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 5 ساعات