تجد كوبا نفسها مع التهديدات الأميركية أمام لحظة مفصلية تُعد من أكثر مراحلها هشاشة منذ نهاية الحرب الباردة حسب تقرير لشبكة بي بي سي، إذ يقوم رهان إدارة ترامب على أن تفاقم الأزمة قد يؤدي إلى تفكك داخلي، لكن التجارب السابقة أظهرت قدرة النظام على التكيف والصمود في ظروف قاسية.
ويخصص متحف الثورة في هافانا حيزا واسعا لعرض أوضاع كوبا قبل انتصار الثورة عام 1959، داخل القصر الرئاسي السابق، حيث توثق الصور والشهادات الشفوية مظاهر الفقر المدقع، والفساد المستشري في عهد الرجل القوي آنذاك فولغينسيو باتيستا.
قبل الثورة وبعدها
وتبرز صورة امرأة تطهو بالحطب داخل كوخ ذي أرضية ترابية كأحد أكثر المشاهد دلالة، في رسالة واضحة مفادها أن الثوار أنقذوا البلاد من حقبة التبعية والحرمان، وقادوها نحو الكرامة والتعليم والاستقلال.
غير أن هذه السردية التاريخية تصطدم اليوم بواقع اقتصادي واجتماعي قاس، حسب تقرير البي بي سي.وتقول ليساندرا بوتي ربة منزل من هافانا إنها تشعر بأنها أقرب إلى تلك المرأة في الصورة منها إلى رموز الثورة، حيث تقف أمام منزلها المشيد من صفائح معدنية وخشب.
وتؤكد أن أسرتها تضطر يوميا إلى جمع الحطب من الشاطئ، لطهي الطعام بسبب الانقطاعات الطويلة للكهرباء.
وتغادر ابنتها ذات 9 سنوات إلى المدرسة أحيانا من دون إفطار، بينما يعترف زوجها، عامل البناء برينيي هرنانديز بأن الأسرة لا تعرف غالبا من أين ستؤمن وجبتها التالية.
عقوبات ترامب
ودخل الاقتصاد الكوبي حسب التقرير مرحلة تراجع حاد منذ جائحة كورونا، لكن الأزمة تعمقت بعد التطورات الإقليمية الأخيرة، ولا سيما إطاحة حليف هافانا الأبرز، الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في مطلع يناير.
ومع بسط واشنطن نفوذها على قطاع النفط الفنزويلي، جفّ شريان حيوي كان يمد الجزيرة بنحو 35 ألف برميل يوميا من الخام.
وفي الوقت نفسه، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب سياسة العقوبات، ملوّحا بفرض رسوم على أي دولة تزود كوبا بالنفط، في إطار ما تصفه إدارته بسياسة "الضغط الأقصى".
ورغم إعلان وزارة الخزانة الأميركية تخفيفا محدودا للقيود على بعض مبيعات النفط "لدعم الشعب الكوبي لأغراض تجارية وإنسانية"، فإن الإمدادات لم تعد إلى مستوياتها السابقة.
ولم يعوض حلفاء تقليديون لكوبا مثل روسيا والصين وفيتنام وإيران حسب التقرير حتى الآن الفجوة التي خلّفها غياب النفط الفنزويلي، رغم تحركات دبلوماسية قادها وزير الخارجية الكوبي في موسكو وبكين وعواصم أخرى.
أزمة وقود قاسية
وتنعكس أزمة الوقود على تفاصيل الحياة اليومية في مختلف أنحاء الجزيرة حسب التقرير، ففي هافانا قد تمتد انقطاعات الكهرباء إلى 15 ساعة يوميا.
وتعمل المستشفيات بالحد الأدنى للحالات الطارئة، وتغلق المدارس أبوابها، في حين تتراكم النفايات في الشوارع بسبب نقص الوقود اللازم لشاحنات الجمع.
وبالنسبة لبلد طالما تباهى بشبكة أمان اجتماعي شملت الرعاية الصحية الشاملة ومكافحة الأمية وخفض وفيات الرضع، تبدو الصورة قاتمة حسب التقرير.
ويطرح خبراء سؤالا محوريا حول إلى متى تستطيع كوبا الصمود، من دون إمدادات جديدة من الوقود.ويرجح الاقتصادي الكوبي ريكاردو توريس أن المخزونات قد تكفي لأسابيع معدودة، مع إقراره بصعوبة التقدير في ظل غياب بيانات رسمية.
ويشير إلى أن "تقنينا شديدا" قد يُفرض، رغم أن قيودا صارمة مطبقة بالفعل، إذ يُحدد سقف شراء الوقود بـ 20 لترا للفرد، يُدفع ثمنها بالدولار، عبر تطبيق حكومي للحجز المسبق، مع طوابير افتراضية تضم آلاف المنتظرين، وفي المقابل، ارتفعت أسعار السوق السوداء بشكل لافت.
غضب داخلي متزايد
ولا يوجه المتضررون انتقاداتهم إلى واشنطن حسب التقرير، بل إلى الدولة الكوبية نفسها.
ويصرح برينيي هرنانديز بصراحة بأنه يتمنى أن "تتولى إدارة ترامب الأمور"، على أمل تحسن الأوضاع.
ومثل هذه الآراء، التي كانت نادرة في السابق، تعكس حسب "بي بي سي" مستوى متصاعدا من الإحباط، وتراجعا في الخشية من التعبير العلني عن الاستياء.
وتتزامن هذه الأجواء مع تصاعد التوتر بين واشنطن وهافانا، عقب حادث إطلاق نار من قبل حرس الحدود الكوبي على زورق مسجل في الولايات المتحدة، ما أسفر عن سقوط قتلى، كما أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن بلاده تحقق في الحادثة "غير الاعتيادية".
ويرى توريس أن ما يتغير اليوم هو أدوات الضغط لا الهدف النهائي، فواشنطن، برأيه، تسعى في نهاية المطاف إلى "تغيير النظام"، سواء عبر انهيار مفاجئ أو عبر تسوية تفاوضية.
ويعتقد بعض المراقبين أن تشديد الخناق الاقتصادي، يهدف إلى تعميق الأزمة الداخلية ودفعها إلى نقطة الانفجار.
وفي المقابل، تصف الحكومة الكوبية هذه السياسة بأنها غير إنسانية وتنتهك القانون الدولي، متسائلة عن "حق قوة عظمى في حرمان دولة أصغر من الوقود والقدرة على تسيير شؤونها".
وتبدو المرحلة الحالية حسب التقرير بعيدة كل البعد عن أجواء الانفراج التي شهدتها العلاقات عام 2014، حين قرر الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما إعادة العلاقات الدبلوماسية مع هافانا.
وخلال زيارته التاريخية إلى كوبا، أكد أمام الرئيس آنذاك راؤول كاسترو رغبته في "طي صفحة الحرب الباردة في الأميركيتين".
ويرى السفير الأميركي السابق في هافانا جيفري دي لورينتيس أن مستقبل الثورة الكوبية، سيتوقف إلى حد كبير على مواقف دول أخرى وقدرتها على تقديم دعم بديل، خصوصا في مجال الطاقة.(ترجمات)۔
هذا المحتوى مقدم من قناة المشهد
