بين نسب مشاهدة مرتفعة وتفاعل جماهيري واسع أشعل المسلسل المصري "صحاب الأرض"، والذي يُعرض ضمن الماراثون الرمضاني الحالي حالة من الغضب العارم داخل الأوساط الإسرائيلية المتعددة، فما إن انطلقت حملته الترويجية وعرض أولى حلقاته حتى شن الإعلام العبري هجوماً حاداً على المسلسل المصري، ومعتبرين إياه خطوة سياسية مدروسة من القاهرة.وفي الوقت الذي أوضحت فيه هيئة البث الإسرائيلية أن المسلسل يتناول الحرب في غزة بأسلوب يبتعد عن إظهار إسرائيل بصورة إيجابية، ويتبنى وجهة نظر أحادية الجانب منحازة للفلسطينيين، زعمت القناة 12 الإسرائيلية أن "صحاب الأرض" محاولة من القاهرة لتحسين صورتها، وخطوة سياسية محسوبة، وذلك في ظل التوترات المستمرة بين البلدين على خلفية الحرب الدائرة رحاها في قطاع غزة.الغضب الإسرائيلي يعكس نجاح "صحاب الأرض"الارتباك الذي أحدثه "صحاب الأرض" في الداخل الإسرائيلي لم يقف عند حدود وسائل الإعلام العبرية فحسب، بل ذهب لما هو أبعد من ذلك وقوبل بانتقاد لاذع من جانب المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي إيلا واوية، حيث قالت في مقطع فيديو لها بموقع فيسبوك، "مسلسل صحاب الأرض مش دراما ده تزوير تاريخ على عينك يا تاجر وتشويه متعمد وتمثيل رخيص للحقيقة، وأصحاب الأرض إحنا اللي دافعنا عن أرضنا، وخليكوا جدعان وأسردوا الحقيقة كلها".وتدور أحداث "صحاب الأرض" الذي يرصد المعاناة الإنسانية للفلسطينيين التي عاشوها في ظل الحرب على قطاع غزة في أعقاب 7 أكتوبر 2023، حول طبيبة مصرية تعمل ضمن قافلة مساعدات داخل غزة، تلتقي رجلا فلسطينياً يعيش صراع البقاء وسط أهوال الحرب، لتتشابك مصائرهما في رحلة إنسانية تكشف وجوها متعددة للألم والأمل.وفي معرض تعليقها على مسلسل صحاب الأرض الذي شغل الرأي العام الإسرائيلي، أكدت رئيس لجنة الدراما بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر الناقدة الفنية ماجدة موريس في تصريحات خاصة لمنصة "المشهد" أن ردود الفعل الإسرائيلية الغاضبة على المسلسل سواء من مسؤولين عسكريين رسميين أو غيرهم، تؤكد بشكل قاطع النجاح الكبير الذي حققه هذا العمل الدرامي في كشف الحقائق التي تحاول إسرائيل إخفاءها على المجتمع الدولي، مشيرةً إلى أن الهجوم الإسرائيلي على صناع المسلسل طبيعي، لأنه كشف حجم الجرائم التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي داخل القطاع.وأضافت أن المسلسل استطاع أن يعمل على توثيق الانتهاكات والمجازر الإسرائيلية التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بحق سكان غزة بشكل دقيق، وذلك في إطار تقديمه معالجة درامية إنسانية عميقة ونادرة تركز على ما يحدث في غزة، موضحةً أن العمل نقل صورة حقيقية وموثقة للعالم كله بحقيقة الأحداث التي كانت تدور داخل المنازل والمستشفيات من خلال أسلوب صادق ورائع.التوثيق الدرامي للقضايا السياسية "مهم"وثمنت رئيس لجنة الدراما بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر فكرة توظيف الفن والدراما في القضايا السياسية، وخصوصا الكبرى منها مثل القضية الفلسطينية، معتبرةً أن التوثيق الدرامي لقضية فلسطين العادلة يعّد ضرورةً ملحةً، خصوصا مع إصرار إسرائيل على طمس وتحريف ما تقوم به من انتهاكات لحقوق الشعب الفلسطيني سواء في غزة أو غيرها من المدن الفلسطينية. وأكد في الوقت نفسه على أن التوثيق الدرامي تأثيره يظل باقيا ومستمرا ولا يمكن تحريفه. واعتبرت أن "صحاب الأرض" عمل فني استثنائي وتاريخي؛ لأنه استطاع مخاطبة الجمهور العربي وغير العربي، عبر ترجمته إلى اللغة الإنجليزية لكي يتمكن العالم بأسره من معرفة الحقيقة كاملة وخصوصا الأجيال الجديدة من الأطفال والشباب، مشيدةً بأداء نجوم العمل سواء أكانوا من المصريين أمثال الفنانين منة شلبي وعصام السقا، أم الفنانين الفلسطينيين أمثال الفنان الكبير إياد نصار، حيث استطاعوا نقل المعاناة التي عاشها سكان غزة بشكل احترافي وقريب من الواقع."صحاب الأرض" الذي أحدث زلزالاً فنياً وسياسياً في الداخل الإسرائيلي قوبل بتفاعل واسع لدى الفلسطينيين أنفسهم، حيث وصف القيادي في حركة فتح الفلسطينية ياسر أبو سيدو المسلسل، بأنه توثيق درامي ناجح لتجارب إنسانية مؤلمة عاشها الفلسطينيون في قطاع غزة من بداية الحرب وحتى نهايتها، بكل تفاصيلها المؤلمة والإنسانية.ولفت إلى أنه وعلى الرغم من أن المسلسل تخللته مشاهد قاسية وصعبة على الجمهور فإنه نجح في نقل الحقيقية عن القطاع الذي دمرته آلة الحرب الإسرائيلية، مشيرًا إلى أن القائمين عليه أبدعوا في نقل الصورة دون تجميل أو مبالغة، وهو ما يعكس فهماً حقيقيًا لطبيعة سكان غزة. وبين أن المسلسل سيساهم في توعية الأجيال الجديدة بحقيقة جذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وتفاصيل الصمود اليومي لتحفظ الحق الفلسطيني من النسيان.وأكد القيادي الفتحاوي أن هذا العمل الدرامي يبرهن على الموقف المصري الثابت تجاه القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، من خلال تقديم سرد درامي يعكس أبعاد الصراع الإنسانية والسياسية، موضحاً أن الدراما بهذا الشكل تصبح أداة تعليمية وثقافية، تحمي المجتمع من محاولات طمس الحقائق وتغرس قيم الانتماء والمسؤولية الوطنية.ومن جهته كشف مؤلف "صحاب الأرض" السيناريست محمد هشام عبية عبر وسائل إعلام مصرية محلية، أن التفاصيل التي ظهرت داخل المسلسل لم تكن خيالية، بل جاءت نتيجة متابعة دقيقة وشهادات واقعية وحكايات من أشخاص يعيشون الأحداث، بهدف جعل المشاهد يشعر أنه داخل الحكاية وليس أمام خبر عابر.وأوضح أن "ارتباط الجمهور بالشخصيات كان أحد أهم أسباب نجاح العمل"، لافتًا إلى نماذج إنسانية مؤثرة مثل شخصية إياد نصار الذي يبحث عن ابن أخيه تحت الأنقاض، وشخصية الطبيبة المصرية التي تقدمها منة شلبي ضمن قافلة طبية لعلاج الجرحى. وأوضح أن الهدف الأساسي من العمل منذ البداية كان الابتعاد عن التناول الإخباري المباشر للأحداث في غزة، والتركيز بدلًا من ذلك على الجانب الإنساني داخل تفاصيل الحياة اليومية تحت وطأة الحرب."احتلال إسرائيل" للأراضي الفلسطينية غير قانونيورداً على ما جاء على لسان المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية، من انتقادات شديدة للقائمين على مسلسل صحاب الأرض ومتهمة إياهم بتزييف الحقائق، أكد أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيات الأميركية والأوروبية والمصرية للقانون الدولي الدكتور محمد مهران، أن كل ما عرضه المسلسل أقل بكثير من الحقيقة الموثقة في تقارير الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية واللجان الدولية، محذراً من أن ادعاءات الناطقة العسكرية الإسرائيلية بأن الإسرائيليين هم أصحاب الأرض لأنهم يدافعون عن أبنائهم يتناقض تناقضاً صارخاً مع الواقع والقانون الدولي والشرعية الدولية وقرارات أعلى المحاكم الدولية.وأشار إلى أن إيلا تحاول "استكمال مسيرة أفيخاي أدرعي في تبييض صورة جيش الاحتلال من خلال الدعاية الموجهة للجمهور العربي"، موضحاً أن "انتقادها الحاد للمسلسل جاء بعد الضجة الهائلة التي أحدثها العمل في العالم وفضحه المستمر للجرائم الإسرائيلية حتى الآن".وأكد أن ردود الفعل الإسرائيلية الغاضبة على المسلسل في الداخل الإسرائيلي ومن مسؤولين عسكريين رسميين تؤكد نجاحه الباهر في كشف الحقائق التي تحاول إسرائيل إخفاءها.وعلق الدكتور مهران علي قول إيلا بأن "الإسرائيليين هم أصحاب الأرض الحقيقيون"، قائلا: "إن أصحاب الأرض الحقيقيين لا يكونون محتلين ولا سارقي أراضٍ ولا مرتكبي جرائم حرب موثقة"، موضحاً أن "محكمة العدل الدولية أعلى هيئة قضائية دولية أصدرت في 19 يوليو 2024 رأياً استشارياً قاطعاً يؤكد أن احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية غير قانوني ويجب إنهاؤه فوراً وأن المستوطنات تنتهك القانون الدولي". وأكد أن المحكمة الجنائية الدولية أيضا أصدرت في 21 نوفمبر 2024 مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.وشدد على أن "قرارات الشرعية الدولية واضحة منذ عقود في تأكيد الحقوق الفلسطينية ورفض الاحتلال الإسرائيلي"، موضحاً أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 لعام 1948 يؤكد حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة لديارهم والتعويض، وأن قرار مجلس الأمن 242 لعام 1967 يؤكد عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب ويطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة، وأن قرار مجلس الأمن 2334 لعام 2016 يدين المستوطنات الإسرائيلية كانتهاك فاضح للقانون الدولي ويطالب بوقفها فوراً".(المشهد - مصر)۔
هذا المحتوى مقدم من قناة المشهد
