لم يعد التصعيد الجاري في الخليج ومحيطه مجرد حدث أمني أو عسكري في منطقة مضطربة من العالم، بل تحول إلى عامل مؤثر في قلب معادلة الطاقة العالمية. فاستهداف منشآت الطاقة في بعض دول الخليج وتصاعد المخاطر الأمنية في الممرات البحرية الحيوية أعادا تسليط الضوء على واحدة من أكثر النقاط حساسية في الاقتصاد الدولي: أمن الإمدادات في منطقة يمر عبرها جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية. وبحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) يمر عبر مضيق هرمز نحو 20.3 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات النفطية، أي ما يقارب 30% من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، إضافة إلى ما يقارب 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال. ولهذا فإن أي اضطراب في هذه المنطقة لا ينعكس فقط على الأسعار الفورية للطاقة، بل يؤدي أيضًا إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وإعادة تسعير المخاطر في الأسواق العالمية. غير أن السؤال الأكثر أهمية بالنسبة لليمن لا يتعلق فقط بما سيحدث لأسعار النفط أو الغاز عالميًا، بل بكيفية انتقال هذه الصدمة إلى اقتصاد يعاني أصلًا من درجة عالية من الهشاشة الخارجية. فاليمن اليوم يعد من أكثر الاقتصادات اعتمادًا على الخارج في تمويل استيراده وتأمين احتياجاته الأساسية. وبحسب التقرير السنوي للبنك المركزي اليمني لعام 2024 بلغت قيمة الواردات اليمنية من السلع والخدمات نحو 15.483 مليار دولار، منها3.272 مليار دولار واردات مشتقات نفطية و 5.734مليار دولار واردات غذائية. في المقابل لم تتجاوز الصادرات الإجمالية 1.035 مليار دولار فقط، وهو ما يعكس اختلالًا واضحًا في الميزان التجاري. وتتضح الصورة بشكل أكبر عند مقارنة هذه الأرقام بحجم الاقتصاد نفسه. فوفق تقديرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يدور الناتج المحلي الإجمالي لليمن حول 21 إلى 23 مليار دولار، ما يعني أن الواردات وحدها تعادل نحو 70% من حجم الاقتصاد. وهذه نسبة مرتفعة للغاية مقارنة بمعظم الاقتصادات النامية، وتشير إلى اعتماد كبير على الخارج في تأمين الاحتياجات الأساسية. وعند النظر إلى ميزان المدفوعات يتضح حجم التحدي بصورة أكبر. فبحسب بيانات البنك المركزي اليمني بلغ عجز الحساب الجاري نحو 5.074 مليار دولار في عام 2024، في حين بلغت التدفقات الخارجية نحو 9.755 مليار دولار، منها 6.245 مليار دولار تحويلات من المغتربين و3.51 مليار دولار منح وتمويلات خارجية. وإذا ما قورنت هذه الأرقام بحجم التدفقات الدولارية إلى الاقتصاد اليمني تتضح الصورة بشكل أكثر وضوحًا. فبحسب بيانات البنك المركزي اليمني، بلغ إجمالي التدفقات الخارجية نحو 9.755 مليار دولار في عام 2024، معظمها من تحويلات المغتربين التي بلغت 6.245 مليار دولار إضافة إلى 3.51 مليار دولار من المنح والتمويلات الخارجية. لكن في المقابل تجاوزت فاتورة الواردات 15.4 مليار دولار، وهو ما يعني أن الاقتصاد اليمني يعتمد على مصادر خارجية غير إنتاجية مثل التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية كبيرة بين ما يحتاجه للاستيراد وما يولده من صادرات حقيقية. هذه المؤشرات مجتمعة تعكس ما تصفه المؤسسات المالية الدولية بحالة الهشاشة الخارجية للاقتصاد، أي اعتماد الاقتصاد بدرجة كبيرة على الخارج في تمويل استيراده واستقرار عملته. وفي مثل هذه الاقتصادات تصبح الصدمات الخارجية مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد أكثر تأثيرًا بكثير مما هي عليه في الاقتصادات التي تمتلك قاعدة تصديرية قوية. في ظل هذه المعطيات يصبح من السهل فهم لماذا يمكن لأي اضطراب في أسواق الطاقة والشحن أن يتحول سريعًا إلى ضغط على الاقتصاد اليمني. فإذا أدت التطورات الإقليمية الحالية إلى ارتفاع كلفة الاستيراد بنسبة تتراوح بين 10% و12%، فإن ذلك يعني نظريًا زيادة إضافية في فاتورة الواردات قد تصل إلى 1.5 إلى 1.8 مليار دولار سنويًا قياسًا على أرقام 2024. وحتى إذا بقي الأثر مركزًا في قطاع الطاقة فقط، فإن زيادة بنسبة 10 12% في فاتورة المشتقات النفطية تعني عبئًا إضافيًا يتراوح بين 327 و393 مليون دولار سنويًا. وفي اقتصاد يعاني أصلًا من عجز خارجي يتجاوز 5 مليارات دولار، فإن مثل هذه الزيادة تمثل ضغطًا حقيقيًا على قدرة الاقتصاد على تمويل استيراده وعلى استقرار سوق الصرف. ومع ذلك فإن التطورات النقدية في اليمن خلال العام الماضي تقدم مثالًا واضحًا على أن إدارة السياسات الاقتصادية يمكن أن تحد من حدة الصدمات الخارجية. فقد شهد سعر صرف الريال اليمني في مناطق الحكومة تحسنًا ملحوظًا منذ أغسطس 2025 بعد حزمة الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي والحكومة، إضافة إلى الدور المحوري الذي لعبته اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات في تنظيم سوق الصرف وضبط آليات تمويل الاستيراد. فبحسب إتجاهات سعر للصرف في السوق المحلية بلغ سعر الصرف في سوق عدن مستوى قياسيًا عند نحو 2,905 ريال للدولار في يوليو 2025 قبل أن يتحسن إلى قرابة 1,676 ريالًا للدولار في أغسطس من العام نفسه. واستمر هذا التحسن تدريجيًا خلال الأشهر.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من موقع عدن الحدث
