يُعدّ الحق في التظلم والشكوى أحد أهم الضمانات التي تقوم عليها دولة القانون والمؤسسات. فالإدارة، بوصفها جهازًا يمارس السلطة العامة، ليست سلطة مطلقة، بل تخضع لقيود القانون ومبادئ العدالة والشفافية. غير أن الواقع الإداري كثيرًا ما يكشف عن ظاهرة مقلقة يمكن وصفها بـ الصدمة القانونية ؛ تلك التي تتجسد في الصمت الإداري الرهيب عند عدم الرد الفعّال على شكوى أو تظلم يقدمه أحد الأفراد إلى جهة مختصة. في هذه الحالة يجد المظلوم نفسه في دائرة مغلقة، يكتب ويُخاطب ويُراسل، لكنه لا يتلقى ردًا واضحًا أو إجراءً حاسمًا. وكأن مجرد تقديم الشكوى قد وضعه في موضع الاتهام أو العقاب غير المعلن، فيبدأ في الدوران حول نفسه داخل متاهة إدارية معقدة، دون أن يلوح في الأفق حل أو حتى تفسير رسمي لما يحدث.
من الناحية القانونية، يعرف الفقه الإداري ما يسمى بالقرار الإداري الضمني أو القرار السلبي، وهو امتناع الإدارة عن اتخاذ قرار كان من الواجب عليها اتخاذه. وقد اعترف القضاء الإداري في كثير من الدول بهذا المفهوم حتى لا يصبح صمت الإدارة وسيلة للإفلات من الرقابة القضائية. غير أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود هذا المفهوم القانوني، بل في الواقع العملي للصمت الإداري الذي يتجاوز أحيانًا حدود التنظيم القانوني ليصبح حالة من الجمود المؤسسي. ففي هذه الحالة لا يكون الصمت مجرد إجراء إداري مؤقت، بل يتحول إلى آلية غير معلنة لتجنب الحسم أو الهروب من المسؤولية.
تستند الإدارة في كثير من الأحيان إلى ما يسمى بالسلطة التقديرية، وهي تلك المساحة التي يمنحها القانون للإدارة لتقدير الظروف واتخاذ القرار الذي تراه مناسبًا للمصلحة العامة. غير أن هذه السلطة، التي وُجدت في الأصل لتسهيل العمل الإداري، قد تتحول في بعض الحالات إلى ستار قانوني أو غطاء للصمت والتقاعس. فالسلطة التقديرية لا تعني أبدًا إطلاق يد الإدارة دون رقابة، ولا تعني أن تمتنع الجهة المختصة عن الرد على شكوى أو تظلم مشروع. إذ إن الفقه الإداري يقر بأن هذه السلطة مقيدة دائمًا بمبادئ أساسية، أهمها: عدم الانحراف بالسلطة، عدم التعسف في استعمال الحق، احترام مبدأ المشروعية، ومراعاة الهدف الحقيقي للقانون. لكن عندما تُستعمل السلطة التقديرية كذريعة لعدم الرد أو عدم اتخاذ إجراء، فإنها تتحول من أداة للإدارة الرشيدة إلى وسيلة لتعطيل العدالة الإدارية.
تكمن المأساة الحقيقية في أن هذا الصمت لا يُولد فقط شعورًا بالظلم لدى صاحب الشكوى، بل يُضعف كذلك الثقة في النظام الإداري بأكمله......
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من مجلة نقطة العلمية
