الأقوال التي نتلقاها في الصغر لا تمر مروراً عابراً في حياتنا. إنها تبقى كغمامة في الذهن، تذكّرنا كلما هطلت غيمة حديثهم الماطر بأشواك السلبية. تلك السردية التي طال أمدها في عقول المنطقة التي نعيش فيها، ونتشارك معهم اللغة والدين، بقيت عالقة في أذهاننا لسنوات. لكنها اليوم لم تعد سوى غيمة صيف تذكرنا بالسلبية التي كانت تحوم حولنا، وبما تحقق رغم كل ما قيل عنا.
من باب المدرسة في مطلع التسعينيات ولن أرجع إلى ما قبل ذلك ظل كثير من المعلمين يرددون عبارات الإحباط أكثر مما يشجعون الطلبة. كانوا يهينون أنفسهم قبل أن يحبطوا طلابهم. ومع مرور الزمن اكتشفنا أن تلك الكلمات لم تكن عابرة، بل كانت أفكاراً متوارثة وسائدة في مجتمعاتهم، تتردد في الصحف والكتب والمقاهي، فتزرع في الأجيال سردية سلبية عن الذات والمستقبل.
لا نلومهم كثيراً، فهم أبناء مرحلة تشكلت تحت تأثير أيديولوجيات متصارعة، يسار وقومية وإسلاموية، إلى جانب حروب متتالية أنهكت المنطقة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ألم يحن الوقت ليدركوا أن العالم قد تغير؟
خلال العقود الثلاثة الماضية شهدت المنطقة تحولات كبيرة أعادت تشكيل كثير من المفاهيم. رأينا دولة عربية خليجية تُحتل خلال أربعٍ وعشرين ساعة في مطلع التسعينيات عندما اجتاح النظام العراقي الكويت، ورأينا كيف اصطف بعض أبناء المنطقة للأسف مع المعتدي. ثم جاءت حرب العراق عام 2003 لتكشف حجم الاضطراب الذي عاشته المنطقة آنذاك. ومع ذلك لم تكن التنمية في الخليج وليدة تلك اللحظات، فقد بدأت قبلها بسنوات طويلة عبر رؤية مبكرة لبناء الدولة الحديثة وتنويع الاقتصاد والاستثمار في الإنسان.
ومع مرور الوقت اتسع هذا المسار، بينما بقيت بعض الخطابات في المنطقة أسيرة الماضي، غير قادرة على قراءة التحولات التي كانت تتشكل أمامها.
طوال تلك السنوات كان الخطاب ذاته يتكرر، أن الخليج متخلف، وأن العالم وصل إلى الفضاء بينما نحن عاجزون حتى عن اللحاق به. لكن المفارقة أن أصبحت دول الخليج جزءاً من السباق العلمي والتقني، وحتى في مجالات الفضاء والابتكار.
قالوا لنا: لماذا تبنون المطارات والموانئ والقطارات والأبراج؟ لكن تلك المشاريع لم تكن استعراضاً عمرانياً كما تصور البعض، بل كانت رؤية اقتصادية واستراتيجية. واليوم أصبحت مدن الخليج، وفي مقدمتها دبي، مراكز عالمية للتجارة والسياحة والاستثمار، يقف العالم في طوابير لشراء العقارات والاستثمار والعيش فيها.
وقالوا إن النفط هو وسيلتكم الوحيدة.. إلا أن الواقع تغيّر، ففي بعض المدن الاقتصادية في المنطقة النفط يمثل نسبة محدودة من النشاط الاقتصادي، بينما أصبحت قطاعات السياحة والخدمات والاقتصاد المعرفي محركات رئيسية للنمو.
إذاً، عن أي اقتصاد تتحدثون؟ وعن أي واقع مازلتم تفكرون؟ هل ما زلتم أسرى صور تاريخية قديمة؟ أم تنتظرون انتصارات متخيلة تأتي من جبال أفغانستان أو من شعارات قومية تتناحرون حولها منذ عقود؟
قالوا إنهم أهل العلم والمعرفة، لكن البوصلة تغيرت. اليوم يملك الخليج عدداً من الجامعات المتقدمة في التصنيفات الدولية، وأصبحت بيئاته التعليمية تستقطب الطلبة والباحثين من العالم كله. كما تطورت القطاعات الطبية حتى أصبحت مدننا وجهة للعلاج المتخصص.
وفي.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الخليج الإماراتية
