قطاع التأمين في المملكة العربية السعودية اليوم ليس مجرد قطاع خدمي عادي؛ إذ هو ركيزةٌ استراتيجية تتقاطع فيها مصالح الأفراد والقطاع الخاص والخزينة العامة. غير أن تأمُّل المشهد التنظيمي الراهن يكشف عن تضخُّمٍ مؤسسي لافت؛ فثمة هيئةٌ للتأمين من جهة، ومجلسٌ للضمان الصحي التعاوني من جهة أخرى، وشركاتٌ تأمين تجمع في سقف واحد نشاطَي التأمين الصحي والتجاري.
هذا التشابكُ ليس مسألةً تنظيمية شكلية؛ بل مصدرُ هدرٍ مالي وإداري حقيقي، وحاجزٌ دون اتساق الرقابة وتوحيد المرجعية.
يطرح هذا المقال تصوُّرًا إصلاحيًا شاملًا يقوم على مبدأ التوحيد الهيكلي المدروس؛ بإدماج الجهات ذات الصلة تحت مظلة هيئة التأمين، وفصل نشاطات التأمين الصحي عن التجاري بصورة قانونية وإدارية واضحة، مع تحويل ميزانية الصحة الحكومية نحو كيان تأميني وطني يضمن الشمول والكفاءة.
ازدواجية الرقابة وتضارب الاختصاصات
تعمل هيئة التأمين ومجلس الضمان الصحي التعاوني في دوائر رقابية متوازية دون تنسيق منهجي واضح. فكل جهة تصدر أنظمة، وتحدد اشتراطات، وتفرض عقوبات، وتتابع شكاوى في مجال التأمين الصحي تحديدًا. وهذا يعني أن شركات التأمين الصحي تستنفد طاقةً إدارية مضاعفة في الامتثال لمعيارين منفصلين، ما يرفع التكاليف التشغيلية ويُعقِّد بيئة الأعمال دون مبرر كافٍ.
اندماج التأمين الصحي والتجاري في كيان واحد
تمارس كثيرٌ من شركات التأمين في المملكة نشاطَي التأمين الصحي والتجاري تحت سقف شركة واحدة بإدارة موحَّدة وميزانية غير مُصنَّفة بوضوح. هذا التداخل يُفضي إلى مخاطر عدة:
أوَّلها تآكل الملاءة المالية المخصصة للمطالبات الصحية لصالح نشاطات تجارية، وثانيها تذبذب جودة الخدمة الصحية المقدَّمة للمؤمَّن عليهم، وثالثها عجز الجهات الرقابية عن تقييم أداء كل نشاط على حِدة بصورة دقيقة.
غياب كيان تأميني يستوعب ميزانية الصحة
تُدار ميزانية الصحة الحكومية الضخمة عبر آليات صرف تقليدية لا تتسم بكفاءة إدارة المخاطر الأكتوارية. في ظل غياب كيان تأميني وطني يستوعب هذه الأموال ويُحوِّلها إلى أقساط تأمينية منضبطة، تبقى الرقابة على الصرف رهينةً بالاعتمادات السنوية والمتغيرات السياسية بدلاً من المنطق التقني للتأمين الصحي.
ثالثًا: توحيد المرجعية: إلغاء مجلس الضمان وتعزيز هيئة التأمين
يستوجب التصوُّر المقترح إلغاء مجلس الضمان الصحي التعاوني كجهة مستقلة، وإنشاء إدارتَين متخصصتَين تندرجان ضمن هيئة التأمين:
إدارة التأمين الصحي: تتولى الإشراف على جميع شركات التأمين الصحي، وتُحدِّد معايير الملاءة المالية والباقات التأمينية الدنيا والحد الأعلى للأقساط، وتفصل في نزاعات المطالبات، وتُرسي متطلبات الإفصاح والشفافية.
إدارة التأمين التجاري: تتولى بالمقابل الإشراف على جميع منتجات التأمين التجاري كالتأمين على السيارات، والممتلكات، والمسؤولية، وغيرها بمعايير وأدوات رقابية مناسبة لطبيعة هذه المنتجات.
بهذا تغدو هيئة التأمين مرجعًا تنظيميًا موحَّدًا لكامل القطاع، تتوفر لديها رؤية شمولية على أداء السوق وسلامة شركاته، مع احتفاظها بتخصُّص إداري دقيق يناسب طبيعة كل نشاط.
تحويل ميزانية الصحة إلى شركة تأمين وطنية
يُقترح في إطار هذا التصوُّر إنشاء كيان تأميني وطني مستقل يُسمَّى:
«الشركة السعودية للتأمين الصحي التعاوني»
تتلقى هذه الشركة الوطنية ميزانية الرعاية الصحية الحكومية المخصصة للمواطنين، وتُحوِّلها وِفق منطق أكتواري سليم إلى أقساط تأمينية تُغطي مجموعاتٍ مستهدَفة بحسب الاحتياج والمخاطر الصحية. وتخضع هذه الشركة لإشراف إدارة التأمين الصحي في هيئة التأمين، دون أن تتدخل وزارة الصحة في إدارتها التشغيلية اليومية. وبذلك تُحوَّل الرعاية الصحية الحكومية من نمط الصرف المباشر إلى نمط التأمين المنضبط، وهو تحوُّلٌ جوهري في منطق إدارة الموارد العامة.
تبقى وزارة الصحة محتفظةً باختصاصاتها السياساتية والتنظيمية كتحديد أولويات الصحة العامة والإشراف على المنشآت الصحية الحكومية لكنها تتحرر من عبء الإدارة المالية اليومية للتغطية التأمينية، وهو ما يُعيد تركيز جهودها نحو رسم السياسات وصون الجودة.
إلزام شركات التأمين بالفصل الهيكلي
يُشكِّل الفصل الهيكلي بين النشاطَين ركيزةً جوهرية في هذا التصوُّر. إذ يُلزَم كل مشغِّل يمارس نشاطَي التأمين الصحي والتجاري بتحويل هيكله إلى:
شركة قابضة: تمتلك شركتَين تشغيليتَين منفصلتَين من حيث رأس المال والترخيص والإدارة.
شركة تأمين صحي مرخَّصة: تندرج تحت إشراف إدارة التأمين الصحي في هيئة التأمين.
شركة تأمين تجاري مرخَّصة: تندرج تحت إشراف إدارة التأمين التجاري.
هذا الفصل يُحقق.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
