المدينة التركية المبنية على "الذهب الأخضر"

مصدر الصورة: Getty Images

على مدى قرون، رسم الفستق ملامح مدينة غازي عنتاب التركية. واليوم، لا يزال المكون الأثمن في عاصمة المطبخ التركي، والسر وراء بقلاوتها الأسطورية.

ومع أواخر الصيف، يغادر خبازو غازي عنتاب مطابخهم ليجوبوا بساتين الفستق التي تتشابك عبر سهول جنوب شرق البلاد المشمسة. ويعرف هذا المحصول محلياً باسم "الذهب الأخضر"، وهو ليس مجرد مورد اقتصادي، بل المكون الأهم في عاصمة الطهي التركية ورمز محبب للمدينة نفسها.

وعلى الرغم من أن موسم الحصاد يكون عادة في سبتمبر/أيلول، فإن بعض الحبات تقطف يدوياً قبل نحو شهر، حين تكون الثمار لا تزال صغيرة ذات لب أخضر زمردي.

وتقول آيلين أوني تان، محررة كتاب "مذاق الشمس والنار" عن مطبخ غازي عنتاب: "يجول أصحاب المخابز بين الأشجار، يتذوقون الفستق أثناء تنقلهم. وعندما يقترب الحصاد، يشترون محصول بستان كامل في الحال".

ويعود ذلك إلى أن فستق أوائل الموسم، المعروف بنكهته الاستثنائية، يعد أساسياً في حلويات مثل الكاتمر (معجنات إفطار كريمية) والبقلاوة (التي يقال إنها الأفضل في تركيا)، والتي جعلت من غازي عنتاب وجهةً يقصدها عشاق الحلويات.

أما بالنسبة للسكان المحليين، فهذه الأطعمة ليست مجرد حلويات؛ بل جزء أساسي من الحياة في واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم.

"الحلويات هنا تتجاوز كونها مجرد أطباق للتحلية، فهي ترافق معظم محطات حياتنا"، تقول خديجة بكمز، الأستاذة المشاركة في جامعة غازي عنتاب والمتخصصة في فنون الطهي والثقافة، خلال لقائنا في مكتبها على بسكويت وأكواب من الشاي التركي الأحمر في كؤوس على شكل زهرة التوليب.

ويمتد هذا التقليد من المهد إلى اللحد: فالعائلات التي تستقبل مولوداً جديداً توزّع صواني بقلاوة الفستق المغمورة بالقطر، فيما يغرف المعزّون حلاوة السميد الطرية المقلية في زبدة عطرية.

وتضيف: "مشاركة هذه الأطباق وسيلة لتعزيز الروابط داخل المجتمع".

وقبل بزوغ الفجر، يشعل الخبازون أفراناً تعمل بخشب البلوط، تُقدَّر لحرارتها النقية الخالية من الدخان، ويبدؤون يومهم مبكراً لإعداد الكاتمر: رقائق من عجين مفرود بعناية تطوى حول حشوة غنية من الفستق الحلو والقشدة المتخثرة.

وبحلول الساعة الثامنة صباحاً، عندما وصلت إلى مخبز "كاتمرجي زكريا أوستا"، وهو مخبز عائلي يعود تاريخه إلى أكثر من قرن، كان السكان يتجمّعون حول طاولات خشبية صغيرة، يتناقلون أباريق الحليب البارد فوق أطباق الكاتمر الساخنة ذات الحواف المقرمشة الخارجة لتوّها من الفرن.

وقال محمد أوزسيميتشي، مالك المخبز من الجيل الثالث: "يتناول العروسان الكاتمر كأول فطور لهما. والفكرة أن تبدأ حياتهما بطعم حلو وكلام حلو".

بدأ أوزسيميتشي العمل إلى جانب والده في مخبز العائلة منذ طفولته. وحتى اليوم، وهو في الخامسة والستين، لا يزال يستهل يومه بتناول كاتمر يعده خبازوه المهرة.

ويقول إنه يستحيل إعادة إنتاج كاتمر غازي عنتاب من دون نكهات البيئة المحلية المحيطة، مثل الفستق من البساتين القريبة والسمن المصفى من ماشية ترعى في الجبال المجاورة.

وقال: "في غازي عنتاب، نكن احتراماً كبيراً للمكونات".

وتنساب روائح الأفران في مخبز "كاتمرجي زكريا أوستا" عبر متاهة من أزقة المدينة القديمة، التي يرجح بعض الباحثين أنها تعود إلى مستوطنة من العصر الحجري الحديث قبل أكثر من عشرة آلاف عام.

وفي متحف الفستق الصغير، المجاني الزيارة، والمقام في مبنى على هيئة حبة فستق وسط أشجارها، علمت أنه عثر على بقايا فستق تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد في موقع "أويلوم هويوك" الأثري، الواقع على بعد 50 كيلومتراً جنوب غازي عنتاب، مع دلائل على استيطان متواصل منذ نحو 3400 قبل الميلاد.

واليوم، يمكن للزائر أن يقضي أياماً في تتبع مسار غير رسمي للفستق: إذ تتكدس الحبات في أكوام هرمية داخل متاجر الأسواق القديمة المسقوفة، منها الطازج بقشرته الخارجية الوردية الشبيهة بالبتلات، ومنها المحمص الجاهز للأكل.

وفي سوق "بكِرجيلار تشارشي" (سوق النحاسين)، تعرض الأكشاك حلقوماً مغطى بالفستق للأكل السريع، ولفائف من معجون الفستق تحمل بسهولة في الأمتعة. فيما تومض لافتات النيون خارج المخابز بكلمة "فستق" بحروف خضراء فاقعة.

في غازي عنتاب عليك أن تعرف كلمة "فستق". فإذا أردتَ وصف صديق بمدى لطفه، يمكنك أن تقول له: "أنت كالفستق". كما يستخدم "فستق" أو "فستقي" كنداء للمودة.

ويحتفل السكان بموسم الحصاد عبر مهرجان "غاسترو عنتاب" السنوي، الذي يقام في سبتمبر/أيلول ويتضمن ورش عمل وفعاليات طهي.

ولا يزال أكثر من 70 في المئة من إنتاج الفستق في تركيا يأتي من هذه المنطقة، حيث تدفع التربة الصخرية الأشجار إلى مد جذور عميقة، فيما تسهم حرارة الصيف في نضج الثمار بالكامل.

ويقول مصطفى أوزغولر، الشيف التنفيذي لمخبز ومطعم "أوركيدي" في غازي عنتاب، حيث تكتظ الواجهات ببسكويت الفستق والبقلاوة: "فستق غازي عنتاب أحلى وأكثر خضرة من المزروع في أماكن أخرى".

وفي الجزء الخلفي من المطعم، يحضر صانع الكاتمر المعجنات حسب الطلب. وبعد أن تناولنا واحدة على الإفطار في يوم آخر، رافقني أوزغولر وابنه أمير إلى بستان فستق يقع على تل في قلب المدينة، غير بعيد عن المطعم.

وأوضح أحد القائمين على رعاية البستان أن.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بي بي سي عربي

منذ 7 ساعات
منذ ساعتين
منذ 5 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 56 دقيقة
سي ان ان بالعربية منذ ساعتين
صحيفة الشرق الأوسط منذ 4 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ ساعتين
اقتصاد الشرق مع Bloomberg منذ 19 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 17 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 8 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ ساعتين
قناة روسيا اليوم منذ 14 ساعة