بين خطاب "أمّ القرى" وطمأنةٍ غائبةٍ للجوار العربي
إعادة تفعيل نظرية "أمّ القرى" في زمن الحرب
واختبارها على جغرافيا لا تثق بالمركز
الدكتور ثائر العجيلي
المقدّمة:
في لحظات الحرب، لا تُقاس الخطابات بما تقوله بل بما تكشفه عمّا يُراد أن يكون.
ليست رسالة مجتبى الثانية مجرد خطاب سياسي في زمن حرب، بل هي إعادة إعلان صريح لموقع إيران في معادلة العالم الإسلامي:
مركزٌ يرى نفسه مؤهلاً للقيادة
لا بوصفها خيارًا، بل بوصفها حقًا.
هذا الادعاء ليس جديدًا،
بل هو امتداد مباشر لنظرية "أمّ القرى" التي صاغت طهران من خلالها تصورها لنفسها كقلبٍ يدير الأطراف، حيث لا تُقرأ السياسة بوصفها توازن مصالح، بل بوصفها امتدادًا لوظيفة "الولاية" التي تتجاوز الدولة إلى الأمة.
لكن الإشكالية الحقيقية تبدأ حين يتحول هذا التصور من إطارٍ نظري إلى سلوكٍ سياسي،
لا ينتج طمأنينة بل يراكم القلق.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة رسالة مجتبى بوصفها خطابًا ظرفيًا، بل بوصفها إعادة تفعيل لعقيدة "أمّ القرى" في لحظة حرب،
حيث تعود إيران لتقديم نفسها كمركز قرار في الفضاء الإسلامي، قادر - وفق هذا المنطق - على التدخل، التوجيه، وحتى إعادة ترتيب الخلافات بين دول، وكأن الشرعية لا تُستمد من الجغرافيا أو السيادة، بل من موقع "المركز".
هنا تحديدًا يظهر التناقض الأخطر:
كيف يمكن لمن يرى نفسه قائدًا للعالم الإسلامي أن يعجز عن طمأنة أقرب الدوائر إليه؟
كيف يمكن لـ"أمّ القرى" أن تطلب الاعتراف بقيادتها،بينما جوارها المباشر - خصوصًا في الخليج - لا يرى في سلوكها سوى مصدر تهديد؟
المسألة لم تعد مسألة خطاب،
بل مسألة ثقة مفقودة.
فدول الخليج، بوصفها الحاضنة الجغرافية والرمزية لأقدس مركزين في العالم الإسلامي،
لا تنظر إلى القيادة بوصفها إعلانًا سياسيًا،
بل بوصفها سلوكًا يضمن الاستقرار ويحترم التوازن.
ومن هنا، يصبح السؤال أكثر حدّة:
هل يمكن لمشروع "أمّ القرى" أن يستمر في تقديم نفسه كقيادة للعالم الإسلامي،
في الوقت الذي يفشل فيه في طمأنة أقرب الجيران؟
1 التناقض البنيوي: مركزٌ بلا طمأنينة
لكن اللحظة الأخطر لا تكمن في هذا الادعاء بحد ذاته، بل في الفجوة التي يكشفها الواقع.
إيران التي تعلن نفسها مركزًا للأمة،
تعجز في الوقت نفسه عن إنتاج الحد الأدنى من الطمأنينة في جوارها المباشر.
وهنا يتكسر الخطاب على صخرة الجغرافيا.
فدول الخليج - التي تمثل العمق الديني والرمزي للعالم الإسلامي، بوصفها حاضنة الحرمين الشريفين -
لا يمكن أن تُعاد صياغة موقعها كـ"هامش" في مشروع يرى نفسه "مركزًا".
ومن هنا يتشكل التناقض البنيوي:
مشروعٌ يعلن قيادة العالم الإسلامي
في مقابل واقعٍ إقليمي لا يثق بهذه القيادة
وخطابٍ يتحدث عن وحدة الأمة
مقابل سلوكٍ يُنتج قلق الجوار
2 جوهر الإشكال: منطق "أم القرى" وحدود الجغرافيا
في جوهرها، لا تتعامل إيران مع جوارها العربي - خصوصًا الخليجي - بوصفه شريكًا في الحضارة أو التوازن،
بل بوصفه مساحة اختبار لمصداقية المركز.
ولهذا، فإن مسألة "طمأنة الخليج" لا تبدو أولوية حقيقية في هذا السياق، لأن الطمأنة تعني الاعتراف المتبادل، بينما منطق "أم القرى" يقوم على اتجاه واحد:
مركز يقود وأطراف تتكيّف.
لكن ما تغيّر اليوم هو أن هذه المعادلة لم تعد قابلة للتمرير.
فالحرب الحالية كشفت أن الجوار العربي
لم يعد مستعدًا للعب دور "الامتداد الصامت" في مشروع لا يراعي حساسياته الأمنية ولا توازناته الاستراتيجية.
بل أكثر من ذلك، فإن أي ادعاء بقيادة العالم الإسلامي، دون القدرة على طمأنة قلبه الجغرافي والديني،يتحول من مشروع قيادة إلى أزمة شرعية.
وهنا يصبح السؤال أكثر حدة وخطورة:
هل يمكن لنظرية "أمّ القرى" أن تستمر كإطار لقيادة العالم الإسلامي، في زمنٍ لم تعد فيه الأطراف تقبل أن تكون مجرد أطراف؟
أم أننا أمام لحظة انكشاف،حيث يصطدم "مركز العقيدة" بـ"حقائق الجغرافيا"؟
3 إيران vs إسرائيل: صراع مركزين وأمريكا تحدد السقف
إذا كان خطاب مجتبى يعيد طرح إيران كمركز يقود العالم الإسلامي وفق منطق "أم القرى"،
فإن إسرائيل - في المقابل - لا تقدم نفسها كجزء من الإقليم، بل كقوة تعيد تعريفه.
نحن هنا لا أمام صراع تقليدي،
بل أمام تنافس بين مشروعين على احتكار تعريف الشرق الأوسط نفسه:
مشروع إيراني يرى المنطقة امتدادًا لعقيدة وفضاء نفوذ
ومشروع إسرائيلي يسعى إلى إعادة هندسة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية
