في حارةٍ ضيقةٍ لا تتسع إلا لأجساد ساكنيها، لكنها تتسع بلا حدودٍ لطبائعهم، نشأت منظومةٌ معقدة من الخداع، حتى صار الكذب فيها لغةً يومية، وصارت الخديعة مهارةً مكتسبة تُورَّث كما تُورَّث العادات. لم يكن الأمر مجرد انحراف سلوكي عابر، بل كان نظامًا متكاملًا، له قوانينه غير المكتوبة، وأعرافه التي تُكافئ من يُتقن التلاعب، وتُقصي من يحاول أن يبقى نقيًا.
في تلك البيئة، كانت براءة الأطفال هي العنصر الأكثر هشاشة، أشبه بجزيءٍ نقيٍّ أُلقي في وسطٍ ملوّث، سريع التفاعل مع ما حوله، سريع الذوبان في شوائب الواقع. كان هناك من يراقب لا بعين الفضول، بل بعين الباحث عن معنى، عن استثناءٍ يكسر هذا النسق المظلم. كان يحدّق في التفاصيل الدقيقة، كما يفعل عالمٌ يتتبع تفاعلات معقّدة، لعلّه يلمح شرارة اختلاف، أو بادرة نقاء.
لكنه لم يرَ إلا أعمدة دخانٍ كثيفة، تتصاعد من أفواهٍ اعتادت أن تُحرق الحقيقة قبل أن تنطق بها. كلماتٌ مشبعة بالسواد، تُغلفها مبرراتٌ واهية، وتُسوَّق على أنها ضرورة للبقاء. في تلك الحارة، لم يكن الكذب خطأً، بل كان أداةً، ولم يكن الغدر انحرافًا، بل كان وسيلةً للترقي.
حاول أن يحتمي بذاته، أن يختبئ خلف ما تبقى فيه من صفاء. ظنّ أن الطيبة يمكن أن تكون درعًا، وأن الصمت قد يمرّ دون أن يُلاحظ. لكنه لم يُدرك أن الأنظمة الفاسدة لا تكتفي بإقصاء النقاء، بل تسعى إلى ابتلاعه أو تشويهه. فوجد نفسه، دون إرادةٍ كاملة، غارقًا في وحلٍ لزج، حيث تتساقط أمطار نارية من سلوكياتٍ مشوّهة، تضرب كل من يختلف، وتُعيد تشكيله قسرًا.
حاول أن يُقلل من تفاعله مع هذا الوسط، أن يخفض طاقة التصادم بينه وبينهم، كما لو كان يسعى لتثبيت حالةٍ غير مستقرة في معادلةٍ كيميائية مختلة. لجأ إلى الصمت، إلى الانزواء، إلى إغماض عينيه عن تفاصيل الألم. لكن الواقع لم يكن ليسمح له بالحياد؛ فالصمت في بيئةٍ كهذه ليس نجاة، بل إعلان ضعفٍ يُغري الآخرين بالافتراس.
تجمّعوا حوله، لا لشيءٍ إلا لأنه لم يكن مثلهم. سلبوه حقوقه، لا لأنها ملكهم، بل لأنهم اعتادوا أن يأخذوا ما لا يُقاوَم. ولوّثوا سمعته، لا بدافع الحقيقة، بل.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من مجلة نقطة العلمية
