د. عبدالله بن سليمان المفرجي
إن الحديث عن صناعة الأجيال حديث ذو شجون فهو يمثل رؤية ثاقبة عن مستقبل الأمم وتطورها وازددها، وعن القوة الناعمة التي تحمي الهوية وتصنع الحضارة وتطوي صفحات الظلام إلى نور التطور والسباق نحو الفوز والنجاح. ولما كانت التربية هي المحرك الأول لهذه الصناعة.
وقد أضحت كليات التربية هي المعامل التي تخرج منها الأدوات البشرية الناضجة القادرة على حمل هذه الأمانة التي عجزت عن حملها الجبال. غير أن الناظر في واقع بعض تلك الكليات في عالمنا العربي يفضي بنا إلى مشهد مركب من التناقضات والحيرة، حيث تتصارع النظريات الأكاديمية مع متطلبات الميدان، وحاجات الواقع العلمي، وتتسع الهوة بين ما يدرسه الطالب في قاعات المحاضرات من كلام نظري معزول عن الواقع، بين وما يمارسه في فصول المدارس وتداعيات المواقف التربوي.
في زمن تتدافع فيه الأفكار وتتصارع الرؤى، وتتسارع المتغيرات والتقنيات الحديثة حتى تكاد تلهث الأنفاس قبل أن تستوعب حاضراً يغدو ماضياً في غمضة عين، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه على كل ذي عقل راجح وفكر ثاقب: كيف نصنع الأجيال في عالم يموج بالتحولات الحثيثة والتطورات المتسارعة؟ يقول البلام: «متى آمنا بأن التعليم احتضان التنوع وتقبل الآراء المتضاربة، وتسامح مع المعارضة واعتراف بأن الحقائق ليست كلها مطلقة، وأنه ثورة العقل على الماضي ليحاكم به الحاضر منتجاً المستقبل، استطعنا من خلال ذلك أن نبني عقولاً ونفوساً تصارع الجبال وتؤسس الأوطان». هذا الكلام البليغ يختصر فلسفة التربية الحقيقية: ليست التربية حشواً للأذهان، بل هي فتح للعقول على احتمالات المعرفة، وتربية للنفوس على التسامح مع الاختلاف، وإعداد للأجيال لمواجهة المجهول بقلوب لا تعرف الخوف وعقول لا تعرف الجمود. تقول ساندرة لوني: "نحن نبني بيوتا لنسكن بها أما الجامعات فهي بيوت للأفكار. نحن نبني جامعات لكي تسكن بها الأفكار"، فكيف يتم ترجمة تلك الرسالة في واقعنا إلى سلوك عملي؟!
في حين تظل التربية ذلك الثابت الوحيد والنبع الصافي الزلال الذي لا محيد عنه في بناء الأمم، ذلك النبع الذي لا ينضب، والدر الذي لا يجف، والبذرة الصالحة اليانعة التي إن أحسنا غرسها آتت أكلها يانعة باسقة قروناً مديدة، وسنوات عديدة، وأيام متوالية، وإن أهملناها صارت حطباً يتقد يلهب ظهورنا وأفئدتنا قبل أن نستشعر اللهيب. وفي صلب هذه العملية الجليلة يقف المعلم شامخاً رافع الرأس، ذاك الصانع الحقيقي للأجيال، والمهندس الخبير الذي يشكل العقول قبل أن تشكلها الحياة بكل متغيراتها، وعواصفها وغنائمها. غير أن الناظر في واقع بعض كليات التربية في عالمنا العربي اليوم يدرك أن ثمّة خللاً عميقاً يضرب في جذورها. وينخر في كيانها، فكليات التربية التي كان من المفترض بها أن تكون في قمة الهرم التعليمي، والتطور الميداني، وأن تعمل على انتقاء ألمع الطلاب وأزكاهم نفساً، وخلقا، وقدرة على حمل الرسالة، فقد أضحت في الواقع ملاذاً أخيراً لمن أغلقت في وجوههم أبواب الكليات الأخرى. وضاقت به الأرض بما رحبت، فقد صارت وكأنها مهوى واستراحة المحاربين المنهكين التائهين العابرين من الذين سقطوا في معركة المجاميع، أو محطة أخيرة يلتقط فيها الراكبون أنفاسهم الأخيرة قبل أن يهبطوا إلى سوق العمل بما تيسر لهم من حطام المعرفة.
وهكذا تقف هذه الصروح العلمية بين مطرقة الضعف الداخلي الذي ينخر في عظامها، ويفتك بهيكلها العظمي، وسندان التوقعات المجتمعية المرتفعة التي تنتظر منها المعجزات. فالطلاب الذين يلتحقون بها هم نتاج تعليم أساسي يعاني أمراضاً مزمنة وأفات مهلكه: فضعف في المهارات الأساسية، وفقر في المعرفة العامة، واعتياد على التلقين الذي لا يشعل فتيل الفكر ويحرك كوامن العقل ويوقد لواعج.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية
