حين يفقد الإنسان ذاكرة «التراث»: كيف يبدأ التيه الحضاري؟

ثمة حقيقة حضارية لا يُمارى فيها ذو بصيرة، وهي أن الثقافة والتراث ليسا ترفًا فكريًا ولا هامشًا كماليًا في حياة الأمم، بل هما «خزانة الذاكرة الجمعية» التي تحفظ خبرة الإنسان المتراكمة عبر الزمان، وتمكّنه من إدراك ذاته وفهم تاريخه واستيعاب معانيه الكبرى، وبينما حاولنا في المقال السابق أن نتأمل «نهاية اللغة» بوصفها لحظة فقدان القدرة على التعبير عن الحقيقة، غير أن ما يليها أشد عمقًا وأخطر أثرًا، إذ لا يتعلق الأمر هذه المرة بالتعبير، بل بالذاكرة نفسها، نحن اليوم أمام ظاهرة يمكن تسميتها بـ«نهاية التراث»، وهي ليست مجرد انقطاع عن الماضي، بل بداية تيه حضاري يفقد فيه الإنسان خريطته الداخلية، ويغدو بلا جذور ولا وجهة.

فالتراث، في حقيقته، ليس مخزونًا من الحكايات القديمة أو طقوسًا موروثة، بل هو خزان الذاكرة الجمعية التي يتشكل من خلالها وعي الإنسان بذاته، به يعرف من أين أتى، ولماذا يعيش، وإلى أي معنى يتجه؟ وإذا كانت اللغة وعاء الفكر، فإن التراث هو وعاء الذاكرة والمعنى، وأي تلاعب به لا يقتصر على تغيير الروايات، بل يمتد إلى تشويه الإدراك الحضاري نفسه، ومن هنا يمكن أن نفهم العبارة المحورية التي ينبغي أن نستحضرها ونحن نقرأ واقعنا: «هدم التراث هو إفراغ للإنسانية».

غير أن هذا الهدم لا يحدث دائمًا بصورة مباشرة أو عنيفة، بل غالبًا ما يتسلل عبر آليات ناعمة تبدو في ظاهرها تحديثًا أو نقدًا، بينما هي في جوهرها تفريغ للمعنى، حيث يُقدّم التراث بوصفه عبئًا على التقدّم، أو خرافة لا تليق بالعصر، أو مادة للصراع والجدل السطحي، تُختزل التجارب العميقة في مشاهد مبتورة، وتُستبدل المرجعيات المحلية الحية بنماذج مستوردة لا تنتمي إلى السياق، ومع مرور الوقت، تنفصل الأجيال عن مظاهر حياتها الأصيلة: عن الموالد مثلاً التي أضاءت أحياء الفقراء والأغنياء على حد سواء وأطربت القلوب وجمعتها على معنى واحد، وعن العمارة الدينية القديمة التي جسّدت الروح في الحجر، وعن الحكايات المتوارثة والحكم الشعبية والاحتفالات البسيطة التي كانت تُرسّخ الإحساس بالانتماء وتُغذّي الوجدان، فيُترك فارغًا!

ويشتد الخطر حين تُستبدل المرجعيات الثقافية المحلية بمرجعيات مستوردة نمطية لا تنبت من هذه التربة ولا تنتمي إلى هذا الوجدان، فتضيع النكهة الخاصة وتُمحى الخصوصية المصنوعة على مدى قرون من التجربة والتأمل والعطاء، وهنا لا يفقد الإنسان مجرد تفاصيل من ماضيه، بل يفقد نظام المعنى الذي كان ينظم حياته، وكما أن فقدان البصر يجعل الإنسان يتخبّط في المكان، فإن فقدان التراث يجعل الإنسان يعيش في ظلمات معرفية لا يرى فيها نفسه ولا طريقه.

وفي هذا السياق، يمكن أن نستحضر نموذجًا أسميه «عين النور» يبين أن الرؤية الصحيحة -التي هي رؤية الأشياء من عند الله- لا تتحقق إلا بالنور المتراكم الذي يمر عبر أدوات الإدراك وتأملاتها لكتاب الله المنظور وكتاب الله المسطور -العالم والوحى- حتى يتشكل الفهم؛ فإذا انقطع هذا النور، لم تعد العين ترى، بل أصبحت محاصرة بالضباب، وكذلك الإنسان.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن المصرية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن المصرية

منذ 6 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 8 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعة
منذ 9 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 36 دقيقة
مصراوي منذ 13 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 16 ساعة
صحيفة اليوم السابع منذ 7 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 18 ساعة
صحيفة الوطن المصرية منذ 13 ساعة
موقع صدى البلد منذ 4 ساعات
بوابة أخبار اليوم منذ 6 ساعات