أربيل (كوردستان24)- تُعد مدينة البصرة الشريان الاقتصادي النابض للعراق، وأغنى مدنه على الإطلاق بفضل إيراداتها النفطية الهائلة وموانئها الاستراتيجية. لكن خلف هذا الثراء العريض الذي يغذي موازنة البلاد، تقبع حقيقة مرة يعيشها سكان المدينة يومياً، حيث تتناقض المليارات المستخرجة من أراضيهم مع واقع خدمي متدنٍ وبنية تحتية متهالكة، ما أشعل شرارة غضب شعبي واسع ينذر بالتصاعد.
في شوارع البصرة، تبدو الصورة مغايرة تماماً للقب "العاصمة الاقتصادية". يعبّر المواطنون عن استيائهم الشديد من تعطل مشاريع البنية التحتية وسوء الإدارة. ويصف المواطن "أبو محمد" الواقع الخدمي بالمزري، معبراً عن صدمته من حجم الإهمال قائلاً: "هناك أعمال نُفذت لا يتقبلها العقل البشري، لا أفهم لماذا يفعلون بنا ذلك! لدينا مرضى لا يستطيعون الوصول للمستشفيات، وأطفالنا يُحرمون من الذهاب إلى المدارس بسبب الأوحال والطين".
ويضيف بتهكم يكسوه الألم: "هل هذه دبي؟! إنهم يسرقون أموالنا ثم يعيدون لنا الفتات في مشاريع ترقيعية. أموال النفط بأيديهم، يسرقونها ولا يعطوننا شيئاً".
وهو ما يؤكده المواطن "راضي إسماعيل"، الذي يشير إلى غياب أبسط مقومات الحياة، موضحاً: "لا توجد لدينا مشاريع حقيقية، لا ماء ولا كهرباء ولا خدمات، وعائدات النفط تذهب لغيرنا. أطفالنا يخوضون في الطين للوصول إلى المدارس.. لقد هلكنا من هذا الوضع".
لم تقف الأزمات في البصرة عند حدود الخدمات المفقودة، بل امتدت لتطال أرزاق الناس المباشرة. فمشكلة تأخر صرف الرواتب أضافت عبئاً ثقيلاً على كاهل شريحة واسعة من الموظفين، ما زاد من وتيرة الاحتقان.
يتساءل المواطن "موسى كاظم" بحرقة عن مصير أموال المحافظة، قائلاً: "هل الموازنة في جيبي أم في جيوبهم؟ المشاريع كلها تابعة لهم، والناس فتكت بها الأمراض بسبب هذا الواقع البيئي والخدمي الذي فرضوه علينا. إنهم لا يدركون ولا يهتمون بحالنا، الرواتب تتأخر لعدة أيام ولا أحد يصغي لمعاناتنا.. يا جماعة، الناس تتضور جوعاً".
على المستوى الرسمي، لا تبدو الصورة أقل تشاؤماً؛ فالحكومة المحلية تشارك مواطنيها ذات الإحباط تجاه آلية توزيع الإيرادات من قبل الحكومة الاتحادية في بغداد. وترى السلطات المحلية أن المحافظة لا تتلقى استحقاقاتها المالية الحقيقية التي توازي حجم ما ترفد به ميزانية الدولة.
وفي هذا السياق، يكشف عضو مجلس محافظة البصرة، عماد المطوري، عن حجم الإجحاف الذي تتعرض له المدينة، موضحاً: "للأسف، البصرة لم تُنصف من قِبل الحكومات المتعاقبة. هذه المحافظة توفر 90% من موازنة العراق عبر النفط والموانئ، ولكن عند توزيع الإيرادات، تُعامل وكأنها أي محافظة أخرى لا تمتلك هذه الموارد".
ويشير المطوري إلى الضريبة الصحية والبيئية القاسية التي يدفعها البصريون، مضيفاً: "المحافظات الأخرى لا تتضرر بيئياً كما نتضرر نحن، أبناء البصرة يُصابون بالسرطان بسبب الاستخراج النفطي. الموانئ تدر إيرادات بمليارات الدنانير، ومع ذلك لم تفكر وزارة النقل يوماً في تعبيد شارع واحد، وضحايا حوادث الطرق المرعبة أغلبهم من أبناء البصرة".
وختم المطوري حديثه بالتأكيد على أن المحافظة، وبسبب هذا التهميش المستمر، تطالب بتخصيص 4 تريليونات دينار كاستحقاق مالي لتعويضها.
ومع كل أزمة، وتحديداً مع اقتراب فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة اللاهبة التي يرافقها الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، تتحول شوارع البصرة إلى ساحات للاحتجاج. تتصاعد توجيهات ومطالبات الأهالي بإيجاد حلول جذرية بدلاً من المسكنات المؤقتة.
وفي المقابل، تكتفي الحكومة الاتحادية بإطلاق الوعود بحل الأزمات وتوفير الخدمات، إلا أن أبناء البصرة باتوا يدركون أن تلك الوعود لا تتجاوز شاشات التلفاز، لتأتي وتذهب تاركةً المدينة تسبح فوق النفط وتغرق في الأزمات.
هذا المحتوى مقدم من كوردستان 24
