ليست النهضة مجرد أرقام تُضاف إلى الناتج المحلي، أو ناطحات سحاب تعانق السحب، بل هي في جوهرها عملية زعزعة للمألوف واستفزاز لما استقر في الأذهان. ومع كل تحول اقتصادي عميق تظهر ظاهرة مألوفة في التاريخ «السخرية والتشكيك». فالتهكم كثيرًا ما يكون إشارة إلى أن المشروع بدأ يهدد مصالح تقليدية أو يكسر قوالب ذهنية راسخة.
وعندما يغيّر بلدٌ ما جلده الاقتصادي فإنه يغادر دائرة «التبعية المريحة» إلى فضاء «المنافسة القلقة»، وهناك يتحول التصفيق سريعًا إلى تشكيك، وتغدو السخرية أحد أشكال «التنمر الاقتصادي» الذي يحاول تقزيم الطموح قبل أن يكتمل.
يكشف التاريخ أن هذا النمط يكاد يكون ضريبة ملازمة لكل انتقال في موازين القوة الاقتصادية. فالأمم الصاعدة تمر غالبًا بـ3 مراحل متكررة: التقليل من شأنها، ثم التشكيك في قدرتها، ثم محاولة احتوائها عندما تبدأ في النجاح.
في العالم القديم استخدم الإغريق لفظ «البرابرة» لوصف غير اليونانيين في دلالة تقلل من شأنهم الحضاري، قبل أن تبني بعض تلك الشعوب إمبراطوريات واسعة تنافسهم. وفي العصور الوسطى، ومع ازدهار المدن التجارية في شمال إيطاليا كالبندقية وفلورنسا، نظر النبلاء الإقطاعيون إلى التجارة والتمويل بوصفهما نشاطًا «أدنى» من الفروسية والأرض، قبل أن تتحول تلك المدن إلى مراكز مالية مؤثرة في زمانها.
ومع بدايات العصر الصناعي تكرر المشهد بوضوح. فقد واجه التصنيع في بريطانيا مقاومة اجتماعية عنيفة، أبرزها حركة «اللوديين» الذين حطموا الآلات خوفًا من فقدان العمل. ولم يكن ذلك مجرد احتجاج عمالي، بل تعبيرًا عن خوف النخب التقليدية من نموذج اقتصادي يعيد توزيع القوة والثروة. وهكذا يتكرر الدرس لكل تحول اقتصادي كبير يوقظ مقاومة من النظام القديم قبل أن يرسخ النظام الجديد.
وفي العصر الحديث لم يكن صعود شرق آسيا استثناءً من هذه القاعدة. فاليابان التي تحظى صناعاتها اليوم باحترام عالمي كانت في خمسينيات القرن الماضي مادة للتندر، ووُصفت منتجاتها بأنها تقليد رخيص. ولم تكن كوريا الجنوبية بأوفر حظًا؛ إذ قوبل طموحها الصناعي بكثير من الريبة، وقيل إنَّ دولة خرجت من حرب مدمرة لا يمكن أن تنافس الاقتصادات الصناعية الكبرى. ومع ذلك تحولت تلك «الأحلام غير الواقعية» إلى قصص صعود مدروسة قامت على الانضباط المؤسسي والاستثمار في الإنسان.
ولم تكن دول الخليج بعيدة عن هذا المسار. فمنذ الطفرات التنموية في أواخر السبعينيات تعرضت القفزات العمرانية والاقتصادية في.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاقتصادية
