أثار تأخر صرف رواتب الموظفين خلال الأيام الأخيرة موجة قلق واسعة في الشارع العراقي، خصوصاً مع تزامن الاستحقاق المالي مع عطلة عيد طويلة أعقبتها موجة أمطار عطلت الدوام الرسمي في عدد من المؤسسات، ما فتح الباب أمام تفسيرات متعددة، بعضها اتجه نحو الحديث عن أزمة سيولة محتملة، في ظل ظروف إقليمية ضاغطة تشهدها المنطقة.
ويأتي ذلك بعد تعطيل الدوام الرسمي ليومين متتاليين، هما الأربعاء والخميس، في سياق احتفاء حكومي بتأهل المنتخب الوطني إلى نهائيات كأس العالم، في خطوة وُصفت بأنها تحمل طابعاً شعبياً ورسالة دعم معنوي للشارع، إلا أنها في الوقت ذاته أثارت نقاشاً واسعاً بين أوساط سياسية واقتصادية بشأن حدود استخدام العطل الرسمية كأداة تفاعل مع الأحداث، وما إذا كانت تنسجم مع متطلبات العمل والإنتاج في البلاد. ويأتي ذلك بعد سلسلة من قرارات التعطيل التي أعلنتها الحكومة خلال الأيام الماضية، عقب عطلة عيد الفطر، على خلفية سوء الأحوال الجوية وهطول الأمطار، الأمر الذي رفع من عدد أيام التوقف الرسمي خلال فترة قصيرة، ودفع مراقبين إلى التحذير من انعكاسات تراكم العطل على الأداء المؤسسي وتعطيل المصالح العامة، خاصة وأن العطلة الرسمية (الجمعة والسبت) ستزيدان من معاناة الموظفين، إثر الانتظار الطويل المتعلق بالرواتب.
ويأتي تأخير الرواتب في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع تصاعد الحرب الدائرة في المنطقة، والتي ألقت بظلالها المباشرة على الاقتصاد العراقي، ولا سيما مع توقف صادرات النفط بشكل شبه تام نتيجة تعطل طرق الإمداد عبر مضيق هرمز، وهو ما دفع كثيرين إلى الربط بين تأخر الرواتب وتراجع الإيرادات المالية للدولة، باعتبار النفط يمثل المصدر الرئيس لتمويل الموازنة العامة.
وفي بلد يعتمد بشكل كبير على العائدات النفطية لتغطية النفقات التشغيلية، وفي مقدمتها الرواتب، فإن أي اضطراب في التصدير ينعكس فوراً على المزاج العام، ويعزز منسوب القلق لدى المواطنين، خصوصاً في ظل غياب توضيحات فورية تحسم طبيعة ما يجري، وتفصل بين الخلل الإداري والأزمة المالية المحتملة.
لكن الخبير في الشأن الاقتصادي عبدالرحمن الشيخلي يؤكد أنه لا مشكلة إطلاقاً في رواتب هذا الشهر، والتأخير كان بسبب تلكؤ إداري يجب أن يعاقب عليه الموظفون المتسببون في هذا التأخير، الذين لم يحسبوا بدقة ما سيترتب على عطلة العيد الطويلة، والتي أعقبتها موجة الأمطار التي تعطل الدوام خلالها، مما تسبب في تأخير إعداد قوائم الرواتب في أوقاتها المحددة سلفاً، وهو ما فتح مجالاً للتقول بأن الدولة تعاني من نقص في السيولة لتمويل الرواتب لهذا الشهر .
وأضاف الشيخلي لـ عراق أوبزيرفر أن ما حصل لا يرتبط بعجز مالي أو نقص حقيقي في الأموال، بل بسوء تقدير إداري وتراكم إجراءات كان ينبغي إنجازها قبل دخول العطلة، لتفادي أي إرباك يمس شريحة واسعة من الموظفين والمتقاعدين .
ومع ذلك، فإن تزامن التأخير مع توقف صادرات النفط منح القضية أبعاداً أوسع من كونها خللاً فنياً، إذ سرعان ما تحولت إلى مؤشر محتمل على أزمة مالية في نظر كثير من المواطنين، في ظل ارتباط الرواتب بشكل مباشر بالإيرادات النفطية، وهو ما زاد من حجم التفاعل والقلق في الأوساط الشعبية.
ويؤكد مختصون أن حساسية ملف الرواتب في العراق لا تنبع فقط من حجمه المالي، بل من ارتباطه المباشر بالاستقرار الاجتماعي، إذ تعتمد شريحة واسعة من العائلات على هذا الدخل بشكل شبه كامل، ما يجعل أي تأخير حتى لو كان محدوداً ينعكس سريعاً على الأسواق والالتزامات المعيشية.
وخلال الساعات الماضية، تصاعدت تساؤلات الموظفين عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن أسباب التأخير، وسط مخاوف من أن يكون ما جرى مقدمة لتأخيرات متكررة في حال استمرار تعطل صادرات النفط، رغم تأكيدات اقتصادية بأن الوضع الحالي لا يشير إلى أزمة سيولة فعلية.
هذا المحتوى مقدم من عراق أوبزيرڤر
