طلال بن حمد الربيعي شؤون وطنية
لم يعد الحديث عن الأمن والسلامة في المدارس مجرد ترف إداري أو إجراء احترازي يُنفَّذ عند الحاجة، بل أصبح اليوم أحد المرتكزات الأساسية التي تقوم عليها جودة العملية التعليمية، فحين تُدرج خطة الامن والسلامة ضمن الأهداف الاستراتيجية للمدرسة، فإن ذلك يعكس تحولًا نوعيًا في الفكر الإداري، من التعامل مع المخاطر بردة الفعل إلى إدارتها بمنهج استباقي قائم على التخطيط والقياس.
إن المدرسة التي تتبنى الأمن والسلامة كهدف استراتيجي لا تنظر إلى الحوادث على أنها أحداث عابرة، بل تعتبرها مؤشرات تستدعي التحليل والتطوير. فهي تدرك أن البيئة الآمنة ليست فقط لحماية الأرواح، بل هي عنصر أساسي في بناء بيئة تعليمية مستقرة تُعزز التركيز، وتدعم التحصيل، وتمنح الطلبة والمعلمين الشعور بالطمأنينة.
من هذا المنطلق، يصبح الأمن والسلامة مسؤولية مؤسسية مشتركة، تبدأ من الإدارة المدرسية ولا تنتهي عند الطالب ؛ فالإدارة تخطط وتتابع، والمعلم يوجه ويعزز السلوك الآمن، والطالب يلتزم ويشارك، ليشكّل الجميع منظومة متكاملة تقوم على الوعي والالتزام.
ولكي يتحول هذا الهدف إلى واقع ملموس، لا بد من ربطه بمؤشرات أداء واضحة يمكن قياسها، مثل انخفاض معدلات الحوادث، وارتفاع جاهزية مرافق السلامة، وتنفيذ تدريبات الإخلاء بشكل دوري، إضافة إلى مستوى الوعي لدى أفراد المجتمع المدرسي. فهذه المؤشرات لا تعكس فقط مستوى التطبيق، بل تفتح المجال للتحسين المستمر واتخاذ قرارات مبنية على بيانات دقيقة.
كما أن تفعيل هذا الهدف يتطلب تبني آليات تنفيذ واضحة، تشمل إعداد خطط سنوية، وتدريب مستمر، وفحص دوري للمرافق، وتوثيق منهجي للحوادث وتحليلها، فالأمن لا يتحقق بالصدفة، بل هو نتيجة عمل منظم ومستمر.
وعلى مستوى النتائج، فإن المدارس التي تنجح في ترسيخ ثقافة الأمن والسلامة تحقق مكاسب تتجاوز الجانب الوقائي، حيث ترتفع مستويات الثقة لدى أولياء الأمور، ويتحسن الانضباط المدرسي، وتصبح البيئة التعليمية أكثر جذبًا واستقرارًا.
في النهاية، يمكن القول إن الأمن والسلامة لم يعد خيارًا إضافيًا في المدرسة، بل هو ضرورة استراتيجية تفرضها متطلبات العصر بما فيه من تداخلات وتعقيدات كثيرة، وإن الاستثمار في هذا الجانب هو استثمار في الإنسان أولًا، وفي جودة التعليم ثانيًا، وفي مستقبل أكثر أمانًا واستقرارًا للجميع.
هذا المحتوى مقدم من شؤون عُمانية
