أميركا إلى مخرجٍ لا إلى نصر المهندس نبيل إبراهيم حداد جو 24 :
أكتب هذه السطور بوصفها توقعاتي الشخصية وقراءتي الخاصة لمسار الأحداث، من زاوية إدارة المخاطر والتحليل الاستراتيجي، لا من زاوية التمنّي السياسي، ولا من باب الانحياز العاطفي لهذا الطرف أو ذاك. فالحروب الكبرى لا تُقرأ بالهتاف، ولا تُفهم بالشعارات، بل تُوزن بميزان المصالح، وكلفة الاستمرار، وحدود القدرة على التحمّل، ومآلات الفعل حين يتجاوز عائده. وفي تقديري، فإن الولايات المتحدة تتجه، سياسيًا واستراتيجيًا، نحو البحث عن مخرج أكثر مما تتجه نحو صناعة نصرٍ مكتمل المعنى. ليس لأن واشنطن فقدت أدوات القوة، ولا لأن يدها عجزت عن الإيلام، بل لأن ما تبقّى أمامها من خيارات بدأ يقترب من المنطقة التي تصبح فيها الكلفة أعلى من الجدوى، ويغدو فيها التوسّع في الحرب عبئًا على القرار، لا إضافةً إلى مكاسبه. لقد بلغت الحرب، أو تكاد، تلك اللحظة الدقيقة التي تكتشف فيها القوى الكبرى أن الاستمرار لا يَعِدُ دائمًا بثمرةٍ أكبر، بل قد يَعِدُ فقط بفاتورةٍ أفدح. فالضغط الداخلي الأمريكي ليس تفصيلًا يمكن تجاوزه، ولا عاملًا ثانويًا في حسابات القرار. هناك رأي عام، واقتصاد، وأسواق طاقة، وحسابات انتخابية، وطبقة سياسية تعرف أن الحرب التي تطول من غير أفقٍ واضح، تتحوّل سريعًا من استعراضٍ للقوة إلى استنزافٍ للشرعية. وعند هذه النقطة، لا تعود المسألة: ماذا تستطيع أميركا أن تفعل؟ بل: ما الذي يمكنها فعله من دون أن تدفع ثمنًا يفوق قيمة ما تسعى إليه؟ ومن هنا، فإن توقّعي هو أن واشنطن ستذهب، عاجلًا أو آجلًا، إلى تفاهمٍ يتيح لها الخروج المنظّم. وهذا، في رأيي، ينسجم مع طبيعة الرئيس ترامب نفسه. فالرجل، في جوهر سلوكه السياسي، يحبّ الصفقات، ويحبّ الصورة التي يظهر فيها بوصفه من مارس الضغط ثم حصد المقابل. أمّا الحروب المفتوحة التي لا تنتهي إلى اتفاق، ولا تُترجم إلى مكسب سياسي واضح، فليست البيئة التي يفضّلها، ولا المسرح الذي يطمئن إلى البقاء فيه طويلًا. إنّ منطق ترامب، كما أفهمه، ليس منطق الغرق في الاستنزاف، بل منطق تحويل الضغط إلى صفقة، وتحويل النار إلى إعلان إنجاز. وفي المقابل، لا أرى أن إيران ستذهب إلى استسلام، ولا أعتقد أنها ستقبل بأن تُدفع إلى مشهد انكسارٍ معلن. إيران، في تقديري، ستبحث عن تسويةٍ تحفظ الوجه، وتصون الهيبة، وتمنح النظام القدرة على تقديم النتيجة داخليًا وإقليميًا بوصفها صمودًا لا خضوعًا. وهذه نقطة جوهرية كثيرًا ما تُساء قراءتها في التحليل الغربي: فالدول لا تحتاج دائمًا إلى أن تنتصر عسكريًا حتى تُقنع جمهورها بأنها لم تُهزم سياسيًا؛ وأحيانًا يكفيها أن تثبت أنها لم تنكسر، ولم تُسلّم إرادتها، ولم تُساق إلى الطاولة وهي مطأطئة الرأس. لهذا، فإن أي تسوية جديّة لن يكون جوهرها الحقيقي في النصوص المعلنة وحدها، بل في المعنى السياسي الذي يستطيع كل طرف أن يعود به إلى جمهوره. وأرى أن العقوبات ستكون في صلب هذا المعنى. بل إنني أميل إلى الاعتقاد بأن الولايات المتحدة، إذا أرادت اتفاقًا قابلًا للحياة، ستضطر إلى رفع جزء كبير من العقوبات المفروضة على إيران، أو على الأقل تخفيفها على نحوٍ واسعٍ وملموس. ذلك أن طهران لن تكتفي بصياغات رمادية أو وعود فضفاضة، بل ستحتاج إلى مقابلٍ اقتصادي وسياسي تستطيع أن تُلبسه ثوب الكرامة الوطنية، وأن تقول من خلاله إنها لم تصمد عبثًا، ولم تتلقَّ الضربات من أجل العودة إلى النقطة ذاتها. وأنا أرى أن إيران، شأنها شأن.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
