مصدر الصورة: Visual China Group
بقلم : صفية يحي
في لحظةٍ إقليمية معقدة، حيث تُعاد صياغة التوازنات تحت ضغط الأزمات، تبرز العلاقة بين السودان والصين بوصفها شراكة تتجاوز الظرفية، وتمضي بثبات نحو المستقبل.
لم يعد السودان ذلك البلد الذي يقف على حافة المجهول، بل دخل مرحلة تعافٍ تدريجي، بعد أن خاضت القوات المسلحة السودانية معركة مفصلية أعادت رسم المشهد، ومهّدت لعودة مؤسسات الدولة واستعادة قدر من الاستقرار. هذا التحول لا يقتصر على البعد الأمني فحسب، بل يفتح الباب واسعًا أمام إعادة بناء الاقتصاد وإحياء الشراكات الاستراتيجية.
في هذا السياق، تبرز الصين كأحد أهم الشركاء الذين يملكون القدرة على مواكبة هذه المرحلة. فبالنسبة للسودان، لا تمثل بكين مجرد قوة اقتصادية كبرى، بل شريكًا طويل الأمد، أثبت حضوره في أصعب الظروف، واحتفظ بخيوط التواصل حين تراجعت أطراف أخرى.
لقد أدركت الخرطوم أن مرحلة ما بعد الأزمة تتطلب شركاء من طراز مختلف شركاء قادرين على الجمع بين التمويل والخبرة والتنفيذ، دون ربط ذلك بأجندات سياسية ضيقة. وهنا، تتقاطع هذه الرؤية مع فلسفة الصين في التعاون الدولي، القائمة على المنفعة المتبادلة وعدم التدخل.
أما من الجانب الصيني، فإن السودان لا يُختزل في كونه سوقًا أو موردًا، بل يُنظر إليه كعنصر محوري ضمن مشروع مبادرة الحزام والطريق، حيث يشكل موقعه على البحر الأحمر نقطة ارتكاز استراتيجية في شبكة التجارة العالمية. ومن هذا المنطلق، فإن استقرار السودان ليس مجرد مصلحة سودانية داخلية، بل جزء من معادلة أوسع ترتبط بمصالح الصين الإقليمية والدولية.
ورغم التحديات التي فرضتها الحرب، فإن اللافت هو أن هذه العلاقة لم تتراجع، بل أعادت ترتيب أولوياتها. فبينما تباطأت بعض المشاريع، بقيت الإرادة السياسية والاقتصادية قائمة، بل وأكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
وتتجلى الرغبة المتنامية للسودان في تعميق هذه الشراكة في توجهات عملية، من بينها:
إعادة تفعيل المشاريع الاستراتيجية مع الشركات الصينية
فتح آفاق جديدة للتعاون في مجالات الزراعة والطاقة والتعدين
تعزيز الشراكات في البنية التحتية والتكنولوجيا
في المقابل، تتحرك الصين وفق نهج محسوب، يجمع بين الحضور والاستعداد، دون اندفاع غير محسوب. فهي تدرك أن السودان يدخل مرحلة جديدة، وأن الاستثمار في هذه اللحظة قد يحمل فرصًا كبيرة، لكنه يتطلب أيضًا قراءة دقيقة للواقع المتغير.
في المحصلة، لا يمكن فهم العلاقة بين السودان والصين بمعزل عن التحولات الجارية. فهي لم تعد مجرد امتداد لتاريخ من التعاون، بل أصبحت شراكة تُبنى على واقع جديد، عنوانه التعافي، ومضمونه إعادة التشكّل.
وبين إرادة النهوض في الخرطوم، ورؤية التمدد الاستراتيجي في بكين، تتقاطع المصالح لتصنع مسارًا قد يكون من أبرز ملامح المرحلة القادمة مسارٌ لا تحكمه الأزمات، بل تُعيد صياغته الفرص.
صفية يحي
(ملاحظة المحرر: يعكس هذا المقال وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس بالضرورة رأي قناة CGTN العربية.)
هذا المحتوى مقدم من قناة CGTN العربية



