لا يُمكن للمرء أن يَجولَ في تاريخ السينما المصريّة خلال العقود الأربعة الأخيرة، من دون أن يتوقّف مليًّا عند محطّةٍ من المحطّات الأكثر إبداعًا فيها؛ تلك المحطّة التي حملت اسمَ المُخرج داود عبد السيّد وتَجاوَزتْ في مراميها مجرّد السرد البصريّ، لتتحوَّلَ إلى متونٍ فلسفيّة تَستنطِقُ الوجودَ الإنسانيّ في تجلّياته الأكثر تعقيدًا. إنّ لَقَبَ فيلسوف السينما الذي خَلعه عليه النقّادُ لم يَكُن البتّة من قبيل التزييف البلاغيّ، بل كان استحقاقًا لنِتاجٍ عميق حملَ رايةَ السينما الفكريّة، ليَدفعَ بالفيلم العربيّ المصريّ من مجرّد وسيلة للترفيه إلى مطلٍّ عميق للفلسفة والتأمُّل في تساؤلاتٍ كبرى حول الحريّة، والعدالة، والهويّة، والعجز، والاغتراب.
خلال مشواره الفنّي، لم يُقدِّم عبد السيّد سوى تسعة أفلام روائيّة طويلة، إلّا أنّ كلَّ فيلمٍ منها كان يُمثِّل وحدةً فكريّة وجماليّة مستقلّة، تَشتبكُ مع الواقع لتُعيدَ إنتاجه في قوالب تراوحت بين الواقعيّة الجديدة والواقعيّة السحريّة، ما جَعَلَ من سينماه مرآةً عاكسة لأزماتِ الفرد في مُواجَهة السلطة والمُجتمع والذّات.
البدايات والتكوين
وُلِد المُخرج الراحل في القاهرة في الثالث والعشرين من نوفمبر من العام 1946، ونَشأ في كنفِ أسرةٍ قبطيّة من الطبقة المتوسّطة، وهو ما أَتاح له تشكيل وعيٍ اجتماعيٍّ مبكّر. لم يكُن طموحه الأوّلي مُنصبًّا على العمل في السينما؛ بل كان مسكونًا بشغف الصحافة، ومدفوعًا برغبته القويّة في مراقبة الناس وتحليل ظروفهم الاجتماعيّة. إلّا أنّ المُصادفة قادته إلى زيارة استوديوهات التصوير، وتأكَّد شغفُهُ الحقيقي بالسينما بعد مشاهدته فيلم «Black Orpheus» للمخرج السينمائي الفرنسي مارسيل كامو، حيث أَدرك إمكانيّة دمْج الواقعيّة بالشعريّة في مشهدٍ واحد. التحقَ بالمعهد العالي للسينما وتخرَّج فيه عام 1967، وهو العام المُفارِق في تاريخ الوجدان المصري؛ إذ جَعلته النكسةُ جزءًا ممّا يُعرف بـ«جيل الهزيمة». هذا الجيل الذي وَجَدَ نفسَهُ مُطالَبًا بالتمرُّد على السينما الرومانسيّة التقليديّة التي سادت قَبل الحرب، والبحث عن لغةٍ بصريّة جديدة تَكشف عورات المُجتمع وتُواجِه الهزيمةَ بالصدق الفنّي.
بَدأ عبد السيّد حياتَه المهنيّة مُساعدًا لكِبار المُخرجين، فعملَ مع كمال الشيخ في فيلم «الرجل الذي فَقَدَ ظلَّه»، ومع يوسف شاهين في فيلم «الأرض»، ومع ممدوح شكري في فيلم «أوهام الحبّ». إلّا أنّ تكوينه النفسي الذي يميل إلى التأمُّل والعزلة جَعله يُدرِك سريعًا أنّ وظيفةَ المُساعِد لا تناسبه، فقرَّر الانزواء لسنواتٍ قَبل أن يَجِدَ ضالتَهُ الأولى في السينما التسجيليّة. اعتبرَ تلك المرحلة في حياته مُختبرًا حقيقيًّا لصقْلِ أسلوبه، حيث قدَّم أفلامًا مثل «وصيّة رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم» 1976، و«العمل في الحقل» 1979، و«عن الناس والأنبياء والفنّانين» 1980. في هذه الأفلام، لم يكُن مجرّد ناقلٍ للواقع، بل كان يُمارِس سخريةً مريرة وتأمّلًا عميقًا في بنية المجتمع ومشكلاته الكبرى مثل الجهل المُمنْهَج، والصراع في حياة الفلّاح، والبحث في علاقة الفنّ بالواقع والقداسة. فعلى سبيل المثال، استَخدم في فيلمِه التسجيلي الأوّل صوتًا روائيًّا لشيخِ قرية يُعارِض التعليمَ بحجّة أنّه يُفسِد الناسَ ويَجعلهم يتمرّدون على السلطات التقليديّة، وهو ما كَشَفَ عن قدرته المبكّرة على استخدام «المُفارَقة» كأداةٍ نقديّة. هذه البدايات أكسبته خبرةَ التصوير في المواقع الحقيقيّة والتعامُل مع غَير الممثّلين، وحرَّرته من قيود الكاميرا التقليديّة، ما مَهَّدَ الطريقَ لظهوره في عداد تيّار الواقعيّة الجديدة الذي صارَ فيما بعد أحد أعمدته الرئيسة إلى جانب المُخرجين محمّد خان وعاطف الطيّب وخيري بشارة. سينما المؤلف وتشريح الهموم
يُصنِّف النقّادُ المُخرجَ الراحل كواحدٍ من أبرز روّاد «سينما المؤلِّف» في العالَم العربي، حيث كان يَكتب سيناريوهات أفلامه بنفسه - باستثناء فيلم «أرض الأحلام» - ليَضمنَ حريّة التعبير عن مشروعه الفكري. تميَّزت واقعيّتُهُ بأنّها لم تكُن صادمة كواقعيّة عاطف الطيّب، بل كانت واقعيّة ساحرة تَستخدم الواقع َكمتاهٍة لطرْحِ أسئلةٍ وجوديّة وفلسفيّة عميقة. في فيلمه الروائي الأوّل «الصعاليك» 1985، قدَّم داود عبد السيّد مُحاكَمةً قاسية لجيل الانفتاح الاقتصادي من خلال قصّة صديقَيْن يَرتفعان من القاع إلى قمّة الثراء عَبْرَ طُرُقٍ غير مشروعة، لكّنه ركَّز في الجوهر على تحوّلات الصداقة وتأثير الصعود الطبقي على الروابط الإنسانيّة.
توالَتْ أعمالُه لتُرسِّخَ مفهومَ البطل المأزوم؛ ففي «البحث عن سيّد مرزوق» 1990، أَدخل المُشاهِدَ في رحلةٍ ليليّة عبثيّة يَكتشف فيها الموظّفُ البسيط عوالم سفليّة غامضة، ما يَعكس رغبةَ داود في تحطيم فكرة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
