عاجل | عملاء مكاتب محاماة يدقون ناقوس الخطر: أسرارنا مفضوحة. للاطلاع على

لم يكن ناصر محمد يتوقع أن المكتب الذي قصده لطلب استشارة قانونية في قضية شخصية سيحوّل الجلسة إلى مساحة لسرد بطولات قانونية، يرويها المحامي بأسماء أصحابها؛ بعضهم شخصيات معروفة أو رجال أعمال، فبعض المحامين يلجؤون إلى استعراض قصص موكليهم؛ بهدف إظهار القوة وكسب ثقة العميل ودفعه لتوقيع عقد الأتعاب.

ومن يتابع منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً (إكس) و(تيك توك)، يلاحظ حجم التجاوزات التي يمارسها بعض المحامين الذين انشغلوا بالظهور الإعلامي على حساب أخلاقيات المهنة، فهناك من يسرد حكايات قضاياه بحثاً عن مشاهدات وإعجابات، وآخرون ينشرون صوراً لأحكام حصلوا عليها، سواء كانت ابتدائية وهي أحكام يمنع نشرها نظاماً أو نهائية تستوجب منهم التحفظ احتراماً لسرية العملاء. وهكذا أصبحت أسرار الموكلين مهددة لدى بعض مكاتب المحاماة التي تبحث عن الشهرة أكثر من حفاظها على الأمانة المهنية.

وتُعد السرية المهنية في المحاماة من أهم المبادئ الأخلاقية التي تقوم عليها هذه المهنة الرفيعة، فهي حجر الأساس لبناء علاقة قائمة على الثقة المتبادلة بين المحامي وموكله، وضمانة لحماية حقوقه وخصوصيته.

وأكدت الفقرة الثانية من القاعدة الـ37 من قواعد السلوك المهني للمحامين على أن: «يلتزم المحامي في حال مشاركته في وسائل الإعلام والإعلان، بما في ذلك وسائل النشر الإلكتروني، بالمحافظة على خصوصية عملائه أو غيرهم، وسرية معلوماتهم وبياناتهم».

ورغم هذا النص الصريح، يلاحظ المتابع لمنصات التواصل الاجتماعي أن بعض مكاتب المحاماة تتناول قصص نجاحها في القضايا لأغراض دعائية، مع الإيحاء بتفاصيل تجعل القضية معروفة لدى الجمهور حتى إن تم إخفاء الأسماء.

وفي المقابل، يدافع بعض المحامين عن أنفسهم وعن مهنتهم، مشيرين إلى أن جزءاً من الإشكاليات يأتي من بعض العملاء أنفسهم، فهناك من يتصل في ساعات متأخرة من الليل أو الفجر للسؤال عن مذكرة أو تذكير بموعد جلسة، ومنهم من يحضر إلى المكتب دون موعد مسبق، وهناك من يبحث عبر المواقع الإلكترونية أو يسأل الذكاء الاصطناعي عن قضايا مشابهة، ثم يقترح على محاميه خطوات غير واقعية لعدم إدراكه الفروق القانونية. كما يطلب بعض العملاء ضمانات مؤكدة بكسب القضية أو عدم الإدانة، وهو أمر لا يمكن لأي محامٍ الالتزام به. ويشكو محامون آخرون من عملاء لا يزوّدون وكلاءهم بكل التفاصيل أو المستندات اللازمة، ما يضعف موقفهم القانوني.

وفي جانب آخر، تبرز شكاوى من نوع مختلف تتعلق ببعض المحامين أو المتدربين أو طلاب أقسام القانون الذين يتصدرون المجالس ومنصات التواصل الاجتماعي، ويفتون في كل مسألة دون تردد، أحياناً بمعلومات غير دقيقة أو بتفسيرات خاطئة للنصوص النظامية. كما يشكو بعض العملاء من محامين لا يردون على اتصالاتهم أو رسائلهم، ويتركون هواتفهم على خدمة (موجود)، بينما يستغل آخرون حاجة العميل أو جهله لفرض أتعاب مبالغ فيها، أو لإخافته من موقفه القانوني بهدف الضغط عليه.

ويرى البعض أن بعض المحامين وبعض العملاء يشتركون معاً في الإضرار بالمهنة وتشويه صورتها. فهناك عملاء لا يبحثون عن المحامي المهني صاحب الخبرة والدراية، بل يفضلون من يَعِد بوعود فضفاضة أو يملك علاقات. بينما يرى آخرون أن على الجهات المنظمة للمهنة مسؤولية أكبر في حمايتها، من خلال تصنيف المحامين إلى درجات ومستويات وفق خبراتهم، على غرار ما هو معمول به في مهن أخرى كالأطباء (عام، أخصائي، استشاري)، وأعضاء هيئة التدريس (مساعد، مشارك، بروفيسور)، بما يسهم في ضبط رسوم الأتعاب وتنظيم سوق العمل القانوني.

وفي 1444هـ، أصدرت وزارة العدل قراراً بشطب ترخيص محامٍ؛ وذلك لمخالفته نظام المحاماة ولائحته التنفيذية وقواعد السلوك المهني للمحامين، بعد أن قام بإفشاء أسرار أحد عملائه من خلال تناول القضية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وكذلك خلال الظهور الإعلامي عبر التلفزيون.

ويؤكد المواطن معيض العتيبي أن ما تقدمه بعض مكاتب المحاماة من تثقيف وتوعية قانونية يعد أمراً مهماً، إذ يسهم في تبصير الناس بحقوقهم، ويعرّفهم بالمخالفات التي قد يقعون فيها دون قصد، مما يساعدهم على تجنبها. غير أن بعض الحسابات في مواقع التواصل تتجاوز هذا الدور التوعوي، فتتطرق إلى قصص يعتبرها أصحابها من «أغرب القضايا» التي واجهوها، وكيف تمكنوا من كسبها عبر مرافعاتهم. ورغم أن هذه القصص قد تبدو مجهولة للبعض، إلا أن المجتمع المحيط بأطراف النزاع غالباً ما يتعرف عليها، ما يجعل الضحية أو المتهم مكشوفين في محيطهما الاجتماعي، وهو ما ينعكس عليهما سلباً.

ويشاركه الرأي المواطن أبو سامي؛ الذي يرى أن كثيراً من القصص المتداولة في منصات التواصل تتشابه في أسلوب طرحها، حيث يحوّل بعض المحامين حساباتهم إلى منصات تسويقية يعرضون فيها جلساتهم القضائية، بل يقومون بتسجيل لحظة النطق بالحكم، وتبادل التهاني مع موكليهم، في إشارة واضحة إلى (انتصارهم) في قضية معقدة بهدف التسويق. ويقول إنه «استمع ذات مرة لتفاصيل قضية طُرحت في أحد الحسابات، فوجدها مطابقة تماماً لقصة أحد معارفه، ما جعله يدرك حجم الإزعاج الذي قد يشعر به صاحب القضية عندما تتحول معاناته إلى مادة لجذب المشاهدات».

أما أم عبدالرحمن فتستعيد تجربتها الشخصية مع خلافاتها الزوجية، وكيف فوجئت بسماع قصتها تُروى في أحد الحسابات على شكل (قصة توعوية). ورغم عدم ذكر الأسماء أو المدينة إلا أنها كانت تشعر بأن الجميع يعرف قصتها، ما أدخلها في حالة من الخوف والقلق الدائم. وتقول «إن التوعية الحقيقية يجب أن تكون عبر نشر الثقافة القانونية وشرح الإجراءات والحقوق، لا من خلال سرد قضايا بعينها أو التفاخر بكسب قضية معينة؛ لأن الضحايا أو أطراف النزاع قد يكونون معروفين في محيطهم، وقد تكشف أبسط التفاصيل هويتهم».

وتختتم بقولها «إن بعض المعلومات البسيطة التي يظن المحامي أنها غير مؤثرة قد تكون كافية لفضح القضية أمام الأقارب أو زملاء العمل، ما يسبب ضرراً كبيراً لأصحابها، ويحوّل التوعية إلى أداة إيذاء غير مقصودة».

الالتزام بأخلاقيات المهنة

ويرى المحامي مشاري الثبيتي أن مهنة المحاماة ليست مجرد مرافعة أمام القضاء، بل هي رسالة وأمانة قبل كل شيء، فالمحامي مؤتمن على أسرار موكليه قبل أن يكون مدافعاً عنهم، إذ قد يبوح العميل لمحاميه بما لا يستطيع قوله لأقرب الناس إليه، لأنه يعتبره الملاذ الآمن واللسان الذي ينطق عنه أمام العدالة. ومن هنا تأتي أهمية المحافظة على تلك الأسرار؛ باعتبارها واجباً مهنياً والتزاماً قانونياً وأخلاقياً لا ينفصل عن جوهر هذه المهنة النبيلة.

وأشار الثبيتي إلى أن قواعد السلوك المهني للمحامين شددت في فقرتيها الأولى والثانية على ضرورة أن يحافظ المحامي على شرف المهنة ومكانتها، وألا يتصرف بما يخل بثقة الناس به أو بالمهنة، وأن يصون معلومات العميل ومستنداته، وألا يفشيها بأي شكل -حتى بعد انتهاء التعاقد- إلا في حالات محددة، مثل: منع وقوع جريمة، الاشتباه في غسل الأموال أو تمويل الإرهاب، ما يستلزمه دفاع المحامي عن نفسه في دعوى أو شكوى، موافقة العميل الخطية على الإفصاح، وجود نص نظامي أو أمر قضائي يوجب ذلك.

كما استشهد بالمادة الـ23 من نظام المحاماة الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/38)، التي نصت على أنه: «لا يجوز للمحامي أن يفشي سراً اؤتمن عليه أو عرفه عن طريق مهنته ولو بعد انتهاء وكالته ما لم يخالف ذلك مقتضى شرعياً».

ويؤكد الثبيتي أن المحافظة على السرية المهنية ليست خياراً، بل واجب قانوني وأخلاقي يهدف إلى حماية حقوق العملاء وضمان تحقيق العدالة. وأي إخلال بهذه الضوابط يعرّض المحامي.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة عكاظ

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة عكاظ

منذ 11 ساعة
منذ 9 ساعات
منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 11 دقيقة
صحيفة المدينة منذ 9 ساعات
قناة الإخبارية السعودية منذ ساعتين
صحيفة الوطن السعودية منذ 7 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 4 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 6 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 4 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 12 ساعة
أخبار 24 منذ 4 ساعات